إدارة المحافظين الجدد الأميركية أرادت منذ البداية، وتحت غطاء هجمات أيلول 2001، تغيير جغرافية المنطقة العربية، وديموغرافيتها، وثقافتها، وسياساتها، وعملت على هذه الأسس حصراً، ولا يوجد أي مؤشرات لتصديق ما تقوله خلافاً لذلك.

هي بدأت مخططها هذا، تحت عنوان محاربة الإرهاب، من أفغانستان ولكن عينها كانت على الخليج العربي، وبالتحديد على العراق، وعلى دول الممانعة العربية والإسلامية وعلى رأسها سورية وإيران. وكان أن غزت العراق عسكرياً، ودخلت مباشرة في حرب التغيير، والتفتيت، وإعادة القولبة كما هو مغروس في عقول المحافظين الجدد الذين توهموا أن الفرصة مواتية وقد لا تتكرر بهذا الشكل المريح. ‏

دُمّرت أفغانستان، ودُمّر العراق وقتل أكثر من 650 ألفاً من أبنائه ـ حسب أقل الأرقام تواضعاً ـ ولم يكلّ صقور الحرب الأميركيون من ترديد عبارات الديمقراطية، والقضاء على الإرهاب العربي ومن ثم الإسلامي، حتى إنهم صاروا يقارنون بين عدد القتلى في العراق وثمن «الديمقراطية» ويقولون: «إن الديمقراطية الموعودة تستحق هذا العدد من القتلى». كلام عجيب ما أنزل الله به من سلطان، ودفع الجميع في المنطقة وخارجها للاقتناع بأن مطلقيه شلة من المجانين المتاجرين بدماء البشر. ‏

المهم، وبعد نحو أربعة أعوام من هذا الهجوم الحربي التفتيتي الأميركي على أفغانستان والمنطقة العربية، كانت النتيجة قتل مئات الآلاف من البشر، ودماراً هائلاً، واندحاراً مكشوفاً موصوفاً لهذا المشروع الأميركي. ‏

نعم المشروع الأميركي دُحر عسكرياً وسياسياً، والمحافظون الجدد لا يجدون وسيلة للتغطية على اندحارهم، على الرغم مما يبذلونه من مساع في الشرق والغرب. والكل الآن ينتظر أن يعلن الرئيس بوش على الملأ هذا الاندحار بطريقة ما، وهو سيفعل ولو مرغماً. ‏

وإلى حين الإعلان عن هذا الاندحار ستظل المنطقة معرضة إلى عبث أميركي من نوع آخر، أقله التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وإثارة النعرات الطائفية، والظهور بمظهر الداعم لهذه الحكومة أو هذا الفريق على حساب حكومة أخرى أو فريق آخر. ولبنان عيّنة مثالية لهذا العبث الأميركي الذي أقل ما يقال فيه إنه يعبّر عن يأس مطلق، وعن إخفاق عسكري وسياسي لا يمكن تداركه. ‏

إدارة بوش تتخبط الآن في المنطقة، ما يعني أن الحذر يجب أن يكون مضاعفاً خاصة لجهة ما يمكن أن تثيره من فتن طائفية وحتى مذهبية، فالفرق الأميركية المختصة بهذا المجال تعمل في السر والعلن، وتوزع الأموال والأدوار والمناصب، وتحاول تحريك كل شيء ضد كل شيء، وتدفع برموز الفتن والتفريق ـ من أمثال الجوقة اللبنانية المشهورة ـ لإطلاق الكلام المسموم والمواقف الاستفزازية المنفرة، وهم خبراء في هذا المجال، ولهم تاريخ طويل في القتل والاقتتال، وما يقولونه يعبّر بالضبط عما يريده المحافظون الجدد في واشنطن و«إسرائيل» للمنطقة. ‏