انتخابات الكونغرس الأميركي بمجلسي النواب والشيوخ كانت استفتاء شعبيا على سياسة ادارة بوش في العراق... وقد قال الشعب الاميركي كلمته وعبّر عن معارضته لهذه السياسة الفاشلة التي بنيت على كذبة كبرى وتستمر مطاردة لوهم كبير.
لجنة بيكر والتي كلفتها الادارة الأمريكية وضمت وجوها بارزة في الساحة الأمريكية خلصت هي الأخرى بعد طول بحث وتمحيص الى فشل سياسة بوش في العراق ووضعت توصيات تتمحور حول ضرورة القطع مع هذه السياسات واعتماد سياسات جديدة قد تفضي الى حلّ يخلّص ادارة بوش من ورطة العراق. الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر أكد مرارا فشل هذه السياسات.. ليصل به الأمر يوم أمس الاول حدّ التأكيد بأن قرار غزو العراق الذي اتخذه الرئيس بوش كان أغبى قرار يتخذ رئيس أمريكي في تاريخ أمريكا.
واذا كان الشعب الأمريكي ونخبه وسياسيوه يقرّون بهول الكارثة التي لحقت بأمريكا وبالعراق معا بسبب السياسات الحمقاء لهذه الادارة الأمريكية، فهل يبقى مجال للمكابرة؟ وهل يبقى مجال للمناورة والمداورة في محاولات مكشوفة للالتفاف على الهزيمة المدوية التي تجرعت كأسها ادارة بوش في العراق؟... وهي هزيمة لم تسبب لأمريكا نزيفا بشريا وماديا مروّعا فقط، بل هي أصابت صورتها لدى العالم في مقتل حيث مرّغت كل القيم والمبادئ والشعارات التي كانت ترفعها وتتبجح بالدفاع عنها في المستنقع العراقي... ليكتشف العالم ان «التحرير» ليس الا احتلالا مباشرا بغيضا هدفه نهب ثروات العراق والدفاع عن أمن اسرائيل... وليرى العالم أن قيم الدفاع عن حقوق الانسان ليست الا شعارا سرعان ما انكشف زيفه في فضيحة سجن «أبو غريب» وغيرها من الفضائح والفتن التي جعلت العالم يرى كم هو رخيص الدم العراقي في بورصة المصالح الأمريكية... هذه المصالح التي صيّرت القتل على الهوية والفتنة الطائفية أبرز عناوين ما يسمى «العراق الجديد».
ان المنطق السليم يقتضي أن تعمد إدارة بوش الى استخلاص الدروس والعبر اللازمة من هذه الهزيمة المدوية ومن هذه المأساة التي لحقت بالعراق أرضاوشعبا ودولة ومؤسسات وبأمريكا في نفس الوقت... وفي طليعة هذه الدروس والعبر ان تكف هذه الإدارة عن مكابرتها وعنادها وأن تطرق الأبواب الصحيحة التي يمكن أن توفر لها مخرجا من هذه الازمة المستحكمة... وهو تمش يبدأ بالكف عن مطالبة اعوان الاحتلال وعملائه بما هو فوق طاقتهم ومطالبتهم بما ليس في وسعهم وكأنما كانوا يملكون مفاتيح او قدرات سحرية عجيبة لم يستعملوها حتى الآن لإعادة الامن والاستقرار... او كما لم يكونوا هم أصل الداء وسبب البلية ومن ينفخ على نار الطائفية والتقسيم... ومتى اقتنعت ادارة بوش بأن عملاء الاحتلال هم اصل الداء مع الاحتلال فإنه بإمكانها التوجه الى العناوين الصحيحة وهي معلومة للجميع وهي الأقدر على تهدئة الأمور وترطيب الأجواء لحل تفاوض ينهي احتلال العراق ويساعد العراقيين الشرفاء على صيانة وحدة بلدهم والتوجه نحواعادة بناء ما دمره الاحتلال الامريكي وما خرّبه التدخل الصفوي السافر في شؤون العراق...
فهل تنصت ادارة بوش الى صوت العقل وتنصاع لإرادة شعبها فتتجه نحو انهاء شلال الدم والدمار في العراق؟ ام تراها تتمادى في المكابرة والمداورة والرهان على وهم نصر بدّده المقاومون العراقيون وشعب العراق الأصيل؟ معادلة لم تعد إدارة بوش تملك فيها الكثير من الخيارات بشهادة الشعب الأمريكي وبشهادة كل الشرفاء في العالم.
عبد الحميد الرياحي