لم تشهد عمان ولا اي عاصمة عربية اخرى حراكا سياسيا على هذا المستوى الكبير من الاهمية منذ فترة طويلة ، ولم تكن المنطقة مشدودة الى هنا الحد من التوتر في ضوء التطورات الخطيرة التي تمر بها ، فعمان تتيح اليوم فرصة التقاط الانفاس والتفكير العميق بالمصير الذي ينتظرها تبعا لنجاح او فشل الاطراف المعنية بالقضية الفلسطينية والاوضاع على الساحتين العراقية واللبنانية.

قدوم الرئيس الاميركي جورج بوش الى عمان ولقاؤه مع جلالة الملك عبدالله الثانـي بن الحسين الذي يتناول جميع الملفات الساخنة ومن ثم المباحثات بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يشكل في مجمله اداء سياسيا مسؤولا تجاه وقف نزيف الصراع الطائفي الذي اصبح الان العائق الاول في طريق اقامة العراق الجديد وتحقيق آمال الشعب العراقي في الحرية والاستقلال والوحدة الوطنية والسيادة الكاملة له على اراضيه.

في هذا الاطار جاءت لقاءات جلالة الملك مع عدد من القيادات العراقية مثل السيد حارث الضاري والسيد عبدالعزيز الحكيم والسيد نوري المالكي من اجل تحديد النقاط التي يمكن بحثها مع الرئيس بوش وخاصة الخطوات العملية التي يمكن تطبيقها على ارض الواقع بعدما سعت الادارة الامريكية نفسها الى تغيير سياستها في العراق على اثر انهيار الوضع الامني وتراجع فرص نجاح السياسة السابقة ، وبالتالي معرفة احتياجات الحكومة العراقية لكي تتمكن من بسط نفوذها وفرض سلطة القانون حتى لو تطلب ذلك اجراء تعديل على تشكيلتها الحالية.

هذا الجانب من لقاءات عمان يعتمد كثيرا على المباحثات المباشرة بين الرئيس بوش والسيد المالكي. ولكن القضية التي يتبنى جلالة الملك عرضها بالكامل على الرئيس الامريكي هي القضية الفلسطينية في ضوء نتائج مباحثات جلالته مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس والمشاورات التي اجراها مع قادة المملكة العربية السعودية ومصر ودولة الامارات العربية المتحدة وغيرها من القيادات العربية ، وفي ضوء تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي الاخيرة التي ابدى فيها استعداده للبحث في انسحاب من معظم الاراضي الفلسطينية والتعامل مع مبادرة السلام العربية.

والنقطة الهامة في هذا الملف بالذات هو ان الرئيس بوش اصبح الان اكثر قناعة بما سبق وان لفت جلالة الملك الانتباه اليه من ان القضية الفلسطينية تشكل اساس الصراعات القائمة في المنطقة ، ولعل الحرب الاخيرة في جنوب لبنان شكلت دليلا لدى الرئيس الامريكي على صحة وجهة النظر تلك ، والان فان هناك العديد من القوى الناشئة تتحجج بالصراع الفلسطيني لتبرير تدخلها في الصراع وفي الخلافات القائمة على الساحات العراقية والفلسطينية واللبنانية ، وبالتالي فان اعادة تقييم الموقف من جميع جوانبه وصولا الى رؤية واضحة تؤسس لحلول عاجلة تقطع الطريق على تلك التدخلات.

ما من شك في ان جلالة الملك قد اعطى للجميع فرصة التفكير المنطقي والموضوعي بالتطورات الخطيرة والبحث عن حلول لها بما يضمن الامن والاستقرار على الصعيدين الاقليمي والدولي. وذلك عن طريق الحوار بين جميع الاطراف وتحمل المسؤوليات الواجبة على دول المنطقة وعلى المجتمع الدولي كله. وهذه هي الغاية من وضع كل الملفات امام الرئيس الاميركي الذي يتوقف على قراراته الجانب الاكبر من الحلول المنتظرة.