رغم أن زيارة بوش إلى الأردن ولقائه مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي تأتي في فترة تعتبر الأخطر في الوضع العراقي والأقرب إلى نشوب حرب أهلية بكل معنى الكلمة تكرس الانقسام القائم على الأرض، إلا أن السياسة الأمريكية لا يبدو أنها تحمل في ثناياها ما يشير إلى تغير حقيقي تجاه قضايا الشرق الأوسط.

فتصريحات بوش بأنه لن يحدد جدولاً زمنياً لانسحاب القوات الأمريكية من العراق وأنها باقية هناك حتى تحقيق النصر على الإرهاب أو حتى تنجز المهام المكلفة بها، مهما كان ذلك يعني في واقع الحال، مواقف قديمة لا تحمل أي جديد سوى المكان الذي أطلقت منه.

ورغم محاولات بوش وإدارته الالتفاف على التوصيات التي يتوقع أن تصدر عن تقرير بيكر هاميلتون عن ضرورة إشراك دول المنطقة في إيجاد حل للوضع العراقي، بما في ذلك سوريا وإيران، وضرورة التحرك الجدي الفاعل نحو إعادة تحريك ملف السلام في الشرق الأوسط للتخفيف من عداء شعوب المنطقة تجاه السياسات الأمريكية، فإن النتائج الحقيقية لا يتوقع أن تكون ذات تأثير بعيد المدى ولن تغير في وقائع الأمور كثيراً.

فمن جهة يصرح الرئيس بوش بأن العراق هو الذي يقرر فيما إذا كان من مصلحته إشراك سوريا وإيران في الحل داخل العراق، ومن ناحية أخرى يمارس ضغوطاً مختلفة على العراقيين للحد من مثل هذه المشاركة ما لم تنفذ إيران وسوريا الإملاءات الأمريكية المتوقعة منهما.

وبالنسبة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي فإن تصريحات أولمرت الأخيرة عن استعداد إسرائيل للانسحاب من أجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية مقابل السلام موقف قديم جداً، فأولمرت لم يقل إن إسرائيل ستنسحب من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي فإنه لم يلتزم بإطار محدد للعودة إلى طاولة المفاوضات. أما حديثه عن استعداد إسرائيل لمبادلة عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين مقابل إطلاق الجندي الإسرائيلي الأسير فلم يأت لأنه تعرض لضغوط أمريكية في هذا الاتجاه، بل لأن إسرائيل فشلت على مدى أسابيع طويلة من القتل والتدمير والحصار المشدد ضد الفلسطينيين في إجبارهم على تسليم الجندي الأسير، أو حتى معرفة مكان احتجازه، ولم يعد أمامها سوى الرضوخ للمطالب الفلسطينية التي طرحت منذ اليوم الأول لأسر الجندي الإسرائيلي وهي مبادلته بأسرى فلسطينيين موجودين في السجون الإسرائيلية منذ سنوات طويلة.

هذه المواقف الأمريكية وغيرها فيما يخص قضايا الشرق الأوسط ليست إلا محاولات أمريكية لذر الرماد في العيون وتمرير المخططات الأمريكية التي سعت إليها هذه الإدارة منذ وصولها إلى الحكم، وذلك قبل أن يتسلم الديموقراطيون مهامهم بشكل فعلي في الكونجرس ويعرقلوا تطبيق بعض هذه المخططات. ورغم أن الديموقراطيين ليسوا من "أحباب" العرب ومناصريهم، إلا أنه لا يتوقع أن يسيروا بنفس النهج المتطرف للمحافظين الجدد في الإدارة الحالية، وأن يميلوا إلى اعتدال قد لا يكون كافياً، لكنه على الأغلب سيكون أقل انحيازاً وتطرفاً من السياسة التي تتبعها الإدارة الحالية.