هذا هو حكم صناديق الاقتراع، ما دمنا قد سلمنا بنتائجه وقبلنا به. فلا يمكن لدولة أو جماعة سياسية أو فرد أن تضمن لها نتائج هذه الصناديق بشكل مسبق، إلا إذا ما تم ترتيبها أو تعديلها على أن تكون كذلك، كما هو في بعض الديمقراطيات العربية ذات الخبرة السابقة بالحكم الشمولي في شمال ومشرق الوطن العربي.

وفي حالة الديمقراطيات التقليدية يسقط اللا متوقع ويقفز لكرسي البرلمان أحيانا من لم يكن في البال أو الخيال. فلا يستطيع طرف مهما كان، أن يضمن لنفسه هذا المقعد أو أن يضمن أصوات الناس له، إلا في الحالات اللا معقولة أو في كونه غير قادر على قبول ما يموج في الشارع من عدم قبول به أو تقبل له.

ورغم أن نتائج الجولة الانتخابية الأولى قد جاءت بما هو معقول إلا أنها في تقديراتها الرقمية وتوزيعاتها الرقمية كذلك بدت عند البعض أقرب إلى اللا معقول. فالنتائج التي خرجت بها قائمة الوفاق، بدت لي، وإلى حد ما، مفاجئة من حيث قدرتها على تحقيق هذا الاكتساح من ناحية، وقدرة قائمتها في بعض أعضائها على تحقيق هذه الأرقام.

وهذا يعكس في حقيقة الأمر أن التصويت هنا قد تم على أساس الانتماء إلى القائمة دون الاعتبارات الأخرى المتعلقة بالكفاءة ودرجة العلاقة بالناس وهي مسألة قد لا تتحقق لهم إذا ما بدا أداؤهم داخل مجلس النواب ضعيفا أو غير قادر على تحقيق شيء ملموس لناخبيهم الذين بدت درجات التوقع لديهم في مراتبها العالية.

وما بدا غير معقول كذلك هو ألا يحقق التيار الليبرالي، لحد الآن، أي حضور له داخل البرلمان، وسيكون هذا أقرب إلى اللامعقول إذا ما تأكد ذلك في الجولة الثانية. فالتيار الليبرالي حتى في شقه اليساري يبقى يمثل قطاعاً ليس ببسيط ولربما مؤثر من الناحية الثقافية والاقتصادية وهو يمثل حالة سياسية وفكرية أكثر منه ممثلا لحالة جماهيرية كما هو فيما يتعلق بالإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي،

وهو تيار رغم قلة حضوره في المجلس السابق إلا أنه قد استطاع أن يلعب دور «المُرخي» لحالة الشد التي اتسم بها أداء بعض ممثلي الإسلام السياسي، والذين كانوا في جلهم ممثلو طوائف أكثر منهم ممثلو شعب. وإذا ما قدر لهذا التيار أن يغيب عن المجلس فإن هناك ما يكفي من الأعضاء الجدد والقدامى كما هي القضايا والمشكلات والتي سيكون مسألة التفوه بها فقط مشعلا لحالة الانقسام والتشظي التي عليها المجتمع في حالته الآنية.

ويبقى أخيرا لا معقولية مراكز التصويت العامة والتي رغم ما أثير حولها من لغط سابق فإن نتائج البعض منها قد تثير عند البعض المزيد من الهواجس وتعمق الشكوك. وبدت هذه المراكز ولسان حال المراقب والمتابع يقول «إن من لم تسعفه أرقام ونتائج المراكز الرئيسية، فقد أسعفته ولربما رجحت كفته في الفوز وعدم السقوط، المراكز العامة» فهي كالنجدة التي جاءت على البعض منهم من الأرض وليس السماء. فقد شكلت أصوات المراكز العامة عند بعض الفائزين نسبا عليا وحاسمة.

فهي قد مثلت قرابة ثلث الأصوات(1 ,29%) التي حصل عليها النائب د. صلاح علي الأمين العام لحركة الإخوان المسلمين البحرينية ورجحت كفته في الفوز على منافسته الليبرالية الدكتورة منيرة فخرو، وعضوة القائمة الانتخابية لجمعية وعد القومية اليسارية والتي لم تمثل أصوات الصناديق العامة إلا 3 ,10% ممن صوتوا لها. وهي رغم عدم فوزها فإنها قد شكلت من حيث قدرتها على استقطاب الناخبين والنسبة التي حصلت عليها في دائرة اعتبرت معقلا مقفلا لجماعة الإخوان المسلمين البحرينية، عملا لا معقولا.

كما أن أصوات المراكز العامة قد أنقذت النائب البرلماني السابق عيسى أبو الفتح والمدعوم من الحركة السلفية البحرينية، من الخروج بعيدا عن حلبة المنافسة، حيث أن هذه الأصوات قد مثلت أكثر من ثلث الأصوات التي حصل عليها المرشح، أي حوالي ما نسبته 3 ,35% من إجمالي من صوتوا له. في حين أنها لم تمثل لمنافسه عبدالرحمن النعيمي الأب الروحي لحركة وعد إلا ما نسبته 9 ,16% من إجمالي من صوتوا له.

بل إن أصوات المراكز العامة بدت تمثل ما نسبته 6 ,45% من إجمالي أصوات ناصر الغرير المرشح في الدائرة الثالثة من المحافظة الجنوبية وحوالي 32% من أصوات مرشح الإخوان سعدي محمد المنهزم في الدائرة الأولى في محافظة العاصمة، إلا أنها مع ذلك لم تسعفهما من عدم الخروج من حلبة المنافسة.

كما إنها كذلك قد شكلت ما نسبته 2,24% من إجمالي الأصوات التي حصل عليها عبد الحليم مراد مرشح تحالف الإخوان والسلف والفائز في الدائرة السابعة من المحافظة الوسطى، وهي دون شك قد مثلت العامل الحاسم في فوزه على منافسه علي حسين مرشح قائمة الوحدة الوطنية، والتي مثلت أصوات الصناديق العامة ما نسبته 4 ,14% من إجمالي من صوتوا له.