يعيش العرب هذه الأيام لحظة حرجة في تاريخهم المعاصر، فمن البحرين إلى موريتانيا، مرورا بالعراق ولبنان وفلسطين والسودان والصومال، هناك حالة من السيولة المفرطة المتراوحة بين انتخابات قد تغير الخريطة السياسية لبعض البلدان، وبين التعرض لأخطار الغزو الخارجي، وفي المنتصف تقف دولتان على أبواب الحرب الأهلية، وثالثة ربما تستعد لانتفاضة ثالثة، إن انهارت السلطة الحاكمة.
فالبحرين وموريتانيا تشهدان انتخابات قد تغير من الخريطة السياسية للبلدين تماما، في الأولى من الممكن أن يشتد ساعد التيار الديني، وفي الثانية تمكنت المعارضة بالفعل من شغل أغلب مقاعد البرلمان، وسيجلس الإسلاميون، للمرة الأولى، تحت قبته، بعد أن فاز عدد من مرشحيهم الذين خاضوا الانتخابات تحت غطاء مستقل، نظرا لرفض الحكومة الانتقالية الاعتراف بحزب إسلامي.
والعراق ولبنان يمران بوقت عصيب، الأول انزلق إلى قتال طائفي مرير، إن لم يجد من يوقفه فقد يشتد ويمتد حتى تغرق البلد كلها، من زاخو إلى أم قصر، في أوحاله، خاصة مع الاتهامات المتكررة للحكومة بالعجز عن لم الشمل وحفظ الأمن، والتورط في اللعبة الطائفية، والرضوخ لإملاءات الاحتلال ومصالحه.
أما الثاني فربما يعيش لحظة ما قبل السقوط، بعد أن بدأ التراشق الإعلامي بين القوتين المتنافستين على الساحة السياسية، متزامنا مع تحركات محدودة في الشارع، تحمل قدرا ملموسا من الحنق والغضب، وتوصم بقدر ظاهر من الاستهتار بالآخر، وتعمد ازدراءه، واتهامه بالخيانة والعمالة. ولولا النداءات التي يوجهها من يمسكون بخيوط اللعبة للشارع بأن يلتزم الهدوء، ويجنح إلى السلم، ويحافظ على الوحدة الوطنية، لهوت البلاد إلى مستنقع حرب أهلية جديدة، يريدها لها أعداؤها، وأصحاب الأجندات الدولية القائمة على إثارة الفوضى، بإحياء النعرات الطائفية والمذهبية.
والسودان والصومال تتعرضان لاحتمالات غزو خارجي، مقنع ومستتر بالنسبة للأول، وسافر ظاهر بالنسبة للثاني. فالسودان إن كان قد قبل من حيث المبدأ وجود قوات دولية على أراضيه فإن مسائل من قبيل حجم هذه القوات وتشكيلها وقيادتها، لم تحسم بعد، وحال عدم الاستجابة للشروط السودانية،
فإن دخول القوات الأممية إلى دارفور، يعد «احتلالا» حسب رؤية الرئيس السوداني عمر البشير نفسه، وهنا سيجد السودان نفسه مضطرا إلى مقاومة هذه القوات، وتحدي قرار مجلس الأمن رقم 1706 الذي صدر في أواخر أغسطس الماضي، ودعا إلى إرسال قوات حفظ سلام مؤلفة من أكثر من 17 ألف جندي إلى دارفور، وكذلك خطة للأمم المتحدة الداعية إلى نشر 3000 من رجال الشرطة.
أما الصومال فلم يكفه التمزق الداخلي والغياب المزمن للدولة، فوجد نفسه مهددا باجتياح شامل من الجارة إثيوبيا، التي لا تروق لها ولا لحلفائها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية صعود المحاكم الإسلامية وسيطرتها على الجزء الأكبر من أراضي البلاد، وسعيها إلى بناء دولة على أسس أيديولوجية إسلامية.
وقد دخلت قوات إثيوبية إلى أرض الصومال بالفعل، وتمركزت في بعض المواقع. ويتزامن هذا مع تقديم واشنطن مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يتيح نشر قوات إقليمية في الصومال، ورفع جزئي للحظر المفروض على الأسلحة فيها،
وهو ما يعتبره الاتحاد الأوروبي نفسه ستارا لشن حرب ضروس ضد المحاكم، قد تمتد نارها إلى القرن الافريقي برمته. وزاد الطين بلة ذلك التقرير الصادر عن الأمم المتحدة الذي يزعم أن مئات المقاتلين الإسلاميين من الصومال قاتلوا بجانب حزب الله في الحرب الأخيرة مقابل تزويد مقاتلي اتحاد المحاكم الإسلامية بالأسلحة والتدريبات، ثم يوصي بفرض حصار بري وبحري وجوي للصومال.
وفي فلسطين، حيث قضية العرب المركزية، فإن انسداد الأفق السياسي، بسبب التعثر في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية واحتمالات العودة إلى الاقتتال الداخلي مع استمرار العدوان الإسرائيلي الغاشم والحصار القاسي، قد يقود إلى انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية، واندلاع انتفاضة ثالثة ضد الاحتلال.
هذه المشاهد المتتابعة تظهر جميعها أن العرب يمرون بلحظة حرجة، تحفها أخطار مضاعفة بفعل ضغوط خارجية قاسية، تنبع من استراتيجية أميركية رامية إلى بناء ما يسمى «الشرق الأوسط الجديد»، تتداعى قدراتنا الذاتية على مقاومتها بمرور الأيام، في ظل استمرار ضعف العمل العربي المشترك في جانبه المؤسسي، ومع تفضيل كثيرين لسياسة الهروب والرضوخ، رافعين شعار «انج سعد فقد هلك سعيد».