بعد الانتصار الذي حققه الحزب الديمقراطي في انتخابات الكونغرس الأميركي، كان من الواضح أن الناخبين الأميركيين انقلبوا ضد الرئيس جورج دبليو بوش. إذ فقد الجمهوريون سيطرتهم على الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ. وعلى كل مستويات التصويت خسر الجمهوريون مناصبهم سواء كحكام أو أعضاء في الهيئات التشريعية للولايات الأميركية. لماذا حدث هذا؟ أتصور أن السبب رقم واحد هو الحرب غير المبررة والكارثية التي تخوضها أميركا في العراق.

الخطأ الفادح في العراق يعود سببه المباشر إلى الرئيس بوش ومستشاريه الرئيسيين. فنائب الرئيس ديك تشيني يُرى الآن على خلفية فاسدة باعتباره يمثل الشخص الذي استغل رئيسا غُرر به.

وتتضمن قائمة المستشارين الآخرين الذين تلاعبوا بالرئيس كلا من وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، الذي أقيل من منصبه بعد يوم واحد من هزيمة الجمهوريين في الكونغرس، وكارل روف الذي كان يُوصف من قبل باعتباره العبقري الميكيافلي الذي يعلم كيف يشوه صورة أي ناقد لأسلوب بوش المفضل لدولة الأثرياء، وهو الآن الشخص الذي يُنحى عليه باللائمة من قبل الجمهوريين المحبطين مما حدث في انتخابات الكونغرس.

قائمة الذين لحق بهم الخزي والعار طويلة ومستحقة. غير أنني بحاجة إلى أن أشير إلى مثال رئيسي في هذا الصدد. فقد كان منوط ببورصة الأوراق المالية مهمة منع سوء الإدارة في الشركات ومعاقبة مرتكبيها. وكانت مهمتها المزدوجة تتمثل في القيام بحماية المستثمرين من الجمهور وأصحاب الأسهم في الشركات من جشع أصحاب الشركات وكبار الموظفين في الدولة بشكل حيادي.

من كان أول من وافق الرئيس بوش على تعيينه ليراقب عمليات الاحتيال الكبرى التي تتم في البورصات؟ كان ذلك الرجل هو هارفي بيت، الذي سبق له أن عمل محاميا لدى أربع شركات محاسبة كبيرة.

ماذا كان هو أول تصريح لبيت لدى توليه منصبه؟ ما قاله يمكن صياغته بعبارات توضيحيه كالتالي: أعتزم إدارة بورصة أوراق مالية أكثر بساطة وأقل تعقيدا. ماذا تعني هذه العبارة لكل من المضاربين أولا والمراجعين ثانيا والمحامين ثالثا ورؤساء الشركات رابعا ؟ تعني الآتي: عليكم أن تدركوا أنكم لن تُعاقبوا على الاستفادة من الثغرات الواضحة في الضرائب. عليكم أن تنفذوا مشروعات تأمينية محددة لا تتضمن أي مخاطرة من أجل إخفاء خسائركم الحقيقية. تجاهلوا مصالح أصحاب الأسهم في الشركات وخصصوا جزءاً غير مسبوق من أرباح الشركات في صورة بدلات ومزايا كبيرة لأصحاب الشركات تنقذهم في حال بيع شركاتهم إلى مؤسسات أخرى تستغني عنهم.

هل كان مثل هذا التلاعب ضروريا أو كافيا لتأمين نمو وكفاءة نقدية حقيقيين؟ الإجابة لا. وهنا أنا أتحدث باعتباري عالما اقتصاديا على دراية بالأنماط البديلة للحوافز والأدوات التشجيعية.

لقد كان المديرون الماليون على حق في قراءتهم لما قاله لهم الرئيس بيت: فلتحموا أنفسكم. ضخموا من أرباحكم المعلنة بكل ما أوتيتم من خداع ومراوغة. كافئوا أنفسكم ورؤساء مجالس الإدارات بخيارات مرنة. وحتى في حال أن يؤدي هذا إلى مسخ الأرباح الحقيقية وتدمير مراكز شركاتكم في وول ستريت، لا تغضبوا. فلتتحججوا بانخفاض أسعار الأسهم ولتتخذوا من الأمر ذريعة لإعادة تسمية الأشياء لخدمة مصالحكم.

و لاحقا إذا انفجرت الفقاعة وتمت إقالتكم من شركاتكم فلتذهبوا إلى البنوك بما حصلتم عليه من مكاسب ضخمة.

هذه السياسة الرأسمالية التي تقوم على حماية الأثرياء والتي رسمها كارل روف الميكيافلي كان يمكن أن تستمر حتى عام 2010. لماذا لا؟ فالنقاش حول الإجهاض ومنعه هو أمر يمكن الاعتماد عليه من أجل تأمين أصوات الجمهوريين وفوزهم في الانتخابات. كما يمكن الاعتماد على النقاش الخاص بخلايا المنشأ والمتعلق بالمساعدة في العثور على علاجات للسرطان والأزمات القلبية من أجل الإبقاء على الجمهوريين في السلطة في 2008 وبعدها لولا وجود حقيقتين:

أما الأولى فهي أن العراق ليس خيارا يمكن التعويل عليه. فلو سحبنا القوات الأميركية غدا ، ستندلع الحرب الأهلية والفوضى هناك. غير أننا في حال إرسالنا قوات إضافية أو استمرار الوضع الحالي كما هو عليه فإن الحرب الأهلية والفوضى سينفجران أيضا؛ فكما كانت الحال في فيتنام وأفغانستان، فإن حرب العصابات ستكلف ثمنا في الأرواح والخسائر لن يدفعه الشعب الأميركي. هذا ما كان يقوله الناخبون في كل مكان لواشنطن في يوم الانتخاب.

الحقيقة الثانية: هي أن برلمانا يسيطر عليه الديمقراطيون سيكون تحت ضغط سياسي هائل من أجل فعل شيء للضحايا الكثيرين للعولمة وتحرير التجارة. فرفع الحد الأدنى من الأجور لن يحل المشكلة.

ما أنجزته انتخابات 2006 كان بمثابة تحريك أميركا نحو الوسط بعيدا عن اليمين الديني والتحرر المفرط. وهذا أمر في غاية الأهمية. غير أن هذا الوضع يضعنا ويضع العالم من حولنا داخل دائرة أخطار الانفلات النووي والانتشار المتواصل للهجمات الإرهابية.

لنترك الماضي. فبجانب سحب القوات من العراق، ما هي البرامج الاقتصادية الجديدة التي ينبغي أن يعتمدها الديمقراطيون الوسطيون والجمهوريون؟ أنا سأورد هنا بعض التغييرات غير الطوباوية التي يمكن أن يُوصي بها أصحاب المنهج الوسطي من الخبراء الاقتصاديين. فيما يتعلق بالضرائب، يمكن الإبقاء على معدلات الضرائب المنخفضة على الأرباح ومكاسب رأس المال على المدى البعيد التي تم اعتمادها من بوش.

فهذه المعدلات ترفع بشكل بسيط من معدل المرونة وكفاءة أسواق المال. في حقيقة الأمر لن يتلقى الفقراء وأفراد العائلات ذات الدخل المنخفض أي فوائد مباشرة من الإبقاء على الخفض الضريبي الذي أدخله بوش. غير أن هذا الخفض الضريبي لا يستهدف أيضا إفادة طبقة المليارديرات وأصحاب الملايين الكبيرة.

ما هو إذاً أول خفض ضريبي قام به بوش بحاجة إلى الإلغاء؟ أولى توصياتي في هذا الشأن هي الإلغاء الأبدي للخفض الضريبي المتعلق بالعقارات. فلا يوجد أي خفض ضريبي آخر يساهم أكثر منه في جعل أميركا مجتمع طبقات تتسع فيه الهوة بين طبقة وأخرى.

لقد تحدث بنيامين ديزرائيلي، رئيس وزراء بريطانيا في العصر الفيكتوري، بحق عما وصفه ب: «البريطانيتين ـ بريطانيا الارستقراطيين الأثرياء وبريطانيا العمال والأشخاص الأمناء». فباستثناء مؤيدي حرب العراق الذين ألحقوا ببوش الخزي والعار، فإن بوش ربما أدار عقارب الساعة للوراء كي يؤسس أميركيتين من أجل النسل الأميركي القادم.

ولا تسمح المساحة هنا بمناقشة كيف سيكون الأمر صعبا سواء على مستوى الحزب أو الحزبين إذا أردنا التعامل مع الكثير من المشكلات الرئيسية للعولمة والتجارة الحرة لأي مجتمع متقدم.

فحقيقة الأمر تشير إلى أن العولمة تصنع فائزين بشكل غير متكافئ وبالطبع تصنع خاسرين بشكل غير متكافئ أيضا.

ومع أخذ جميع الاعتبارات في الحسبان، فإن المكاسب، إذا ما قيست بمعدل إجمالي الناتج المحلي، تفوق الخسائر. غير أن الأمر إذا ما قيس بتعداد الشعب، فإن عدد الخاسرين سيكون أكثر من عدد الرابحين.

سيكون أمرا غير واقعي أو من السذاجة أن يتوقع المرء الوصول إلى اتفاق حقيقي من خلال النقاشات الحزبية الخاصة بمزايا وعيوب العولمة وبالتكافؤ وعدم التكافؤ. ستكون هناك ساحة جديدة للنقاش.

أعتقد أن المغزى الرئيسي للانقلاب الانتخابي الذي حدث في 2006 هو كالآتي: لن يسيطر المتحررون ولا المتطرفون الدينيون على الساحة مرة أخرى. فكما كانت الحال في المجتمع الأميركي عبر تاريخه، فإن المحاذير والتوازنات والتسويات والحلول الوسط ستعود إلى الساحة مرة أخرى. هذا هو العقد الذي سيبرمه الأميركيون مع أنفسهم.

خدمة لوس أنجلوس تايمز

خاص لـ «البيان»