يبدو أن الاقتراع لبلاد خبرتها جديدة في الحياة النيابية تدخلنا في أسئلة اعقد من مفهوم أن نذهب للتصويت كضرورة دستورية. فتلك هي الخطوة الأولى ، ولكن الخطوتين اللاحقتين وهما الأهم هنا، لمن نصوت ولماذا؟

وكيف ينبغي أن يكون خيار التصويت؟ من عايشوا تجارب دول أخرى سنوات دراستهم ومن تابعوا مأساة المناطق القمعية والعسكرتاريا العربية والنامية باستثناء ديمقراطية الهند التي برهنت على أنها نموذج حقيقي للتجربة الليبرالية الهندية التي استقت من ينبوع الرجل الانجليزي نظامه الاقتصادي والدستوري والسياسي ولكن بروح هندية وتربة هندية

ففي تلك الرقعة الجغرافية الهائلة في شبه قارة متعددة بالأعراق والديانات والأحزاب قدم الهنود نموذجهم الذي لم تهتز عروق شجرته وجذوره السياسية بالرغم من هزات تاريخية مست تلك الأوراق من الشجرة الديمقراطية الهندية ولكن بسبب إرادة ووعي شعب وقيادة الهند ظلت مقتنعة بنموذجها في ظل ظروف الحرب الباردة أنها تمضي في طريقها الخاص بين نماذج اقتصادية وسياسية متعددة في العالم المحيط.

ففي الوقت التي كانت الهند صديقة للاتحاد السوفييتي والصين وتعتبر نموذجه الاقتصادي من الضروري الاستفادة من بعض جوانبه الاشتراكية والمنهج الجماعي في اصلاح حياة الملايين من الفقراء وبمراقبة شديدة ومركزية للدولة على مفاتيح الاقتصاد والثروة،

كان هناك الاقتصاد الحر يزدهر في الهند بالتوازي مع سياسة عقلانية مع العالم الخارجي تاركة للبلدين الجارين طبيعتهم السياسية والتي لم تكن على المستوى السياسي بلدا ديمقراطيا وتعددي في أحزابه وتداوله وتدويره للسلطة بين الأحزاب وفي ذات الوقت كان استلهام النموذج الغربي والديمقراطية الغربية مدرسة أساسية في ثقافة القادة الهنود وشعبها ،

كانت الليبرالية الهندية وطبقتها الوسطى ومثقفوها الوطنيون والتقدميون والديمقراطيون مقتنعين بمزج المدرستين وبالمضي قدما وبالتدريج بتنمية الهند المتخلفة والمتحررة من استعمار بريطاني طويل إلى دولة عظيمة ومتطورة.

لهذا احتاجت الهند منذ استقلالها في منتصف القرن الماضي الحفاظ على تجربتها التنموية والديمقراطية وتحركها بحكمة بين محاور عدة وصراعات فساعدها هذا التوازن الديمقراطي داخليا والتوازن الخارجي في سياستها الخارجية إلى أن تبقى دولة تحظى باحترام خاص بين جميع البلدان بل ولم تقبل الهند الضغوطات من أي بلد كان ولم تخضع للابتزازات الدولية من أي طرف كان رغم محاولة بلقنة الهند من طرف القوى الاستعمارية القديمة كبريطانيا والجديدة كالولايات المتحدة التي سعت بدسائسها لوأد التجربة الهندية والخيار الهندي.

ما قدمته التجربة الديمقراطية الهندية (اكبر ديمقراطية في العالم) لشعبها بطيفه السياسي ومستوياته الاقتصادية هو بناء الإنسان الهندي المؤمن بتجربته الديمقراطية وبفخره بالانتماء للهند وأن التنمية من الضروري أن تستمر وتحسن حياة الناس دون التوقف في ذات الوقت عن الخيار الديمقراطي وبأن تبقى لإرادة الإنسان الهندي حريته في اختياراته السياسية بامتحان ناخبيه وتقرير مصيره السياسي من خلال أولئك النواب.

ما يعلمنا الإنسان الهندي والذي يبدو للكثير من شعبنا ليس إلا إنسانا بليدا وجاهلا وفقيرا فلا نرى في معدن وجوهر الهند إلا تلك الصورة الشاحبة والخاطئة لقارة استطاع النظام السياسي والشعب فيه على تجذير تجربته وتعميق تنميته وتطويرها وتعزيز الحريات التي باتت مقدسة مثل أنهاره وعباداته معتبرا الشعب الهندي أن إرادة الشعب هي كل شيء في ذلك الدستور الثري بالحقوق وهو فوق كل التناقضات الثانوية والهامشية والجوهرية الأخرى

فالصراع الاجتماعي والسياسي ديمقراطيا لم يجعل من أية شخصية هندية التفكير في إلغاء وتقليص تجربته الديمقراطية فعندما كانت تفلت الأمور في بعض الجوانب وينقاد البعض لعنف بسيط يهب المجتمع والشعب برمته حاميا لتلك التجربة

وذلك الكيان السياسي الدستوري الذي ظل متراسا قويا يحافظ على وحدة الشعب الهندي من شماله لجنوبه ومن شرقه لغربه ففي كل ولاية هندية تكوينها الخاص ومن كل عموم الهند ذاك استقى خصوصيته وفرادته الديمقراطية دون أن يؤثر المشروع الديمقراطي ونظامه السياسي الديمقراطي على تنوعه الثقافي والعرقي ودون أن تدخله في نزاعات ضيقة وأنانية.

ما تعلمه ذلك المواطن الهندي في سياق تجربته الديمقراطية هو تنمية وعيه وتنمية ثقافته وتطوير إمكانياته المهنية والاقتصادية من خلال التركيز على المعرفة والتعليم فالشخصية الهندية التي نستهين بها خليجيا تعلمت في نسيج ذلك المجتمع الديمقراطي بفضائه الحر قدرة التمييز على اختيار مرشحيه بعناية وحوار مكثف وطويل كجزء من طبيعة الحكمة والهدوء والصبر الهندي في تعاطيه مع الأشياء

تلك الملامح الشخصية في تركيبة الشخصية الهندية تتضح لنا في عملية قبوله بكل صبر وتفان الحفاظ على مسألة التوازن في التنمية بين بلد شاسع وفقير جعل من الديمقراطية خيارا ثابتا في نهجه فمن عمق تلك التجربة الديمقراطية تراكمت خبرته على التغيير والتمييز والاختيار وتفحص البرامج والشخصيات المترشحة

بالرغم من محاولة بطانة المهراجات شراء ضميرهم في المناطق النائية وتلويث كرامتهم بسبب عوزهم وفقرهم غير أن وعي المواطن الهندي ما عاد من السهولة ترويضه بقطع من الذهب من كنوز المهراج فالحاجة للأرض والعمل والخبز والتعليم والسكن حلم فقراء الريف الأبدي فهناك يحمي المواطن حقوقه ومن تلك المطالب المشروعة تبقى كرامة الإنسان هي كل شيء.

وليس كما نعتقد نحن في تلك الألوان اللامعة الكاذبة في حياتنا من رفاهية مبتذلة تهان على جوانبها كرامة الإنسان الفاسد والمرتشي وقد تجلت لدينا في الانتخابات وعلينا أن نحاربها بقوة كجزء من مشروع مكافحة الفساد المالي والإداري والأخلاقي أيضا.

وإذا ما تبلور وعينا كما تبلور وعي المواطن الهندي سنكتشف اننا نجحنا كعرب في معرفة كيف نختار ونصوت ولماذا ؟ وعينا يقودنا للبرامج والنزاهة والكفاءة في الشخصيات وليس في تدليسها ووعودها وتمثيلها المسرحي في قولها وخطابها أمام ناخبين بسطاء اكتشفوا مؤخرا ومجددا كيف يضعون ورقتهم الصامتة والتي تحتوي أسماء قادرة على تغيير حياتهم للأفضل،

فهل يفهم الناخب العربي أن ورقته في لحظة تاريخية ما هي الا منعطف يقود للتغيير عندما تسقط تلك الورقة الذهبية في الصندوق كورقة تعرف كيف تختار مصيرها بوعي وإرادة حقيقية دون مؤثرات خارجية رخيصة وقسرية او مؤثرات طائفية وعرقية وفئوية.

كاتب بحريني