قبل وصول بابا روما إلى تركيا في زيارة قيل إنها محفوفة بالمخاطر كما عبرت عن ذلك الصحافة الأجنبية كان قد أجرى استشارات عديدة والتقى بالمثقف الجزائري المسلم مصطفى شريف. وهو عالم بالدراسات الإسلامية وفيلسوف ومختص بالحوار بين الأديان والثقافات.
وهذا المثقف المحترم الذي يشبه من حيث الشكل هواري بومدين كان أحد تلامذة المستشرق الشهير جاك بيرك في باريس حيث نال شهادة دكتوراه الدولة من جامعة السوربون.
وقد شغل الدكتور شريف لاحقاً منصب وزير التعليم في الجزائر كما وكان سفيراً لبلاده في القاهرة. وهو الآن أستاذ في جامعة الجزائر حيث يدافع عن إسلام الانفتاح والتنوير والحوار بين الغرب والشرق.
وقد التقى بابا روما في الحادي عشر من شهر نوفمبر لكي يقدم له الصورة الصحيحة والحقيقية عن الإسلام. ولاحظ السيد شريف أن البابا لا يعرف الشيء الكثير عن الدين الإسلامي ولم يلتق في حياته الطويلة كلها بالمثقفين المسلمين إلا نادراً، وهذا ما أدى إلى حصول سوء التفاهم بين الطرفين. فما هي الأفكار الأساسية التي ينطلق منها هذا المثقف الجزائري والتي استعرضها أمام الحبر الأعظم في روما؟
ينطلق مصطفى شريف في كتاباته ومقابلاته العديدة من الفكرة التي تقول ما معناه: نحن جميعاً، من مسلمين ومسيحيين ويهود، أبناء إبراهيم الخليل عليه السلام. نحن موحدون جميعاً: أي نؤمن بالله الواحد الأحد الذي خاطب البشر من خلال أنبيائه المرسلين موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام.
وبالتالي فلنا نفس الأصل التاريخي على الرغم من كل اختلافاتنا العقائدية والشعائرية، وما يجمع بيننا أكثر مما يفرق. يضاف إلى ذلك أن ثقافة الغرب ليست فقط يهودية ـ مسيحية كما يزعم بعضهم وإنما هي إسلامية أيضاً. فالإسلام هو الذي نقل إليه الفكر الإغريقي من خلال ابن رشد.
ولولا فلاسفة الإسلام وعلماؤه لما حصلت النهضة الأوروبية. وبالتالي فلا يوجد حجاب حاجز بيننا وبين الغرب على عكس ما يتوهم المتطرفون في هذه الجهة أو تلك.
وإنما نحن جزء من الغرب والغرب جزء منا، وعندما ننقل عن ثقافته وحضارته نكاد نقول: هذه بضاعتنا ردت إلينا. فكما أننا نستفيد منه الآن فإنه استفاد منا سابقاً. وبالتالي فالتأثر مشترك والتفاعل بيننا وبينه على مدار التاريخ متبادل.
ويتوقع أن يكون مصطفى شريف قد قال للبابا بأن العنف ليس خاصية أزلية مرتبطة بالإسلام. وإنما هو ناتج عن أقلية قليلة تفهم الدين بشكل خاطئ، أي متعصب ومنغلق وظلامي. أما أغلبية المسلمين فمتسامحة ومعتدلة ووسطية طبقاً للآية القرآنية الكريمة: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً».. والمسلمون يتألمون كثيراً من جراء هذا الخلط بين الإسلام والأصولية الراديكالية المتطرفة. وهو خطأ كثيراً ما تقع فيه وسائل الإعلام الغربية. فالإسلام شيء، والتطرف الإرهابي شيء آخر ولا يجوز الخلط بينهما بأي شكل.
فكما أن محاكم التفتيش الأوروبية ليست موجودة في الإنجيل بل ومضادة له، فإن العنف الأعمى السائد حالياً ليس موجوداً في القرآن الكريم وإنما هو مضاد لروحه وجوهره. وبالتالي فالتعصب ليس موجوداً في القرآن الكريم كما يتوهم معظم الغربيين وبخاصة بعد 11 سبتمبر، وإنما عند المتطرفين الجهلة فقط.
هذا فيما يخص لقاء البابا بالمثقف الجزائري المسلم، أما فيما يخص رحلته إلى تركيا فقد حظيت بتعليقات أو تحليلات عديدة في الصحافة الفرنسية، فالكاتب «إيف تيرار» يعتقد بأن زيارة البابا تاريخية ثم يطرح هذا السؤال: هل سيلعب البابا الحالي ضد الأصولية الراديكالية الدور نفسه الذي لعبه سلفه يوحنا بولس الثاني ضد الشيوعية التوتاليتارية؟
نقول ذلك ونحن نعلم أن البابا السابق ساهم إلى حد كبير في إسقاط الشيوعية. ويرى هذا الكاتب الفرنسي في صحيفة «الفيغارو» إن وسائل الإعلام العربية والإسلامية ساهمت كثيراً في تشويه محاضرة البابا ولم تنقلها بشكل صحيح ومتكامل إلى جمهورها، ولذلك حصلت تلك المظاهرات الضخمة والغضب العارم ضد بينديكتوس السادس عشر.
فنيّة الرجل لم تكن سيئة أبداً ولا عدائية ضد المسلمين وإنما أراد فقط أن يقول إن الإيمان لا يفرض عن طريق القوة وإنما عن طريق الاقتناع فقط، وإن العنف مضاد للدين في جوهره السامي الروحاني العميق، إن البابا بزيارته إلى تركيا يريد أن يمد يده إلى جميع المسلمين من خلال هذا البلد الذي يقع على مفترق الطرق بين الشرق والغرب والمرشح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يوماً ما.
إنه يريد أن يقول للجميع ما يلي: لا سلام بين الشعوب من دون سلام بين الأديان، وبالتالي فقد آن الأوان للتصالح بين الإسلام والمسيحية وطيّ صفحة الماضي الأليم والحروب الصليبية والاستعمارية، فهل سينجح البابا في مهمته؟ هذه مسألة أخرى.
أما المفكر الفرنسي «هنري تنك» المسؤول عن الشؤون الدينية في جريدة «اللوموند» الشهيرة فيقول ما معناه: عندما زار البابا السابق يوحنا بولس الثاني تركيا عام 1979 كانت شوارع اسطنبول صحراء خالية تعبيراً عن اللامبالاة به وبزيارته. وعندما زارها خلفه بينديكتوس السادس عشر فإنه وجدها مليئة بالبشر لا ترحيباً به وإنما عداءً له!! وبالتالي فالبابا يتقدم في أرض ملغومة إذ يزور تركيا.
فلماذا أصر على زيارتها يا ترى؟ لسببين أساسيين: أولاً محو الأثر السيئ الذي تركته محاضرته الشهيرة في الأذهان والعقول. ثانياً: طمأنة الأتراك إلى موقفه من انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي والقول لهم إنه ليس ضد هذا الانضمام من حيث المبدأ بشرط أن يستوفوا الشروط ومن بينها تأمين الحرية الدينية لكل الأقليات الموجودة في البلاد.
فأوروبا ذات قيم ديمقراطية وحضارية معينة وعلى كل من يريد الانضمام إليها أن يتبنى هذه القيم من دون أن يتخلى عن شخصيته التاريخية أو الدينية.
ويرى هذا المثقف الفرنسي المختص بالشؤون الإسلامية والمسيحية في آن معاً أن محاضرة البابا على الرغم من سوء الفهم الذي أدت إليه أو ردود الفعل العنيفة التي أثارتها في الشارع الإسلامي، إلا أنها كانت مفيدة جداً. لماذا؟ لأنها فتحت باب النقاش على مصراعيه بين المثقفين العرب والمثقفين الأوروبيين حول هذه المسألة الحاسمة: مسألة العلاقة بين الفلسفة والدين، وبين العقل والإيمان.
وقد أدى ذلك إلى فتح باب الاجتهاد في العالم الإسلامي بعد أن كان مغلقاً لزمن طويل. والدليل على ذلك أنه عقد مؤخراً في بيروت مؤتمر كبير حول هذا الموضوع، وشارك فيه علماء مسيحيون ومسلمون، غربيون وشرقيون.
وقال المثقفون المسلمون إنه لا يوجد في القرآن الكريم أي تبرير للعنف أو وضع للقنابل في الأماكن العامة على عكس ما يتوهم الرأي العام في أوروبا وأميركا.
ولكنهم اعترفوا بأن الإسلام أصبح رهينة في أيدي الجماعات المتطرفة التي تفسره على هواها وبشكل عنيف وخاطئ، وقد آن الأوان لتخليصه من براثنها وأيديها. وهذه هي المهمة الملقاة على عاتق التيارات المستنيرة في السنوات المقبلة. وسوف يعقد مؤتمر كبير لهذا الغرض قريباً في العاصمة التونسية، ومن المتوقع أن يشارك فيه كبار المفكرين من الأديان الثلاثة: الإسلامية، فالمسيحية، فاليهودية.
كاتب سوري
باريس