«نحن نريد أن تصبح تركيا جزءاً من الاتحاد الأوروبي».

هذا هو ما نقل عن بابا الفاتيكان لدى وصوله تركيا في زيارة رسمية ولكن هل يزيل هذا التصريح حقيقة ان المماطلة الفاضحة للدول الأوروبية في السماح لتركيا بدخول عضوية الاتحاد مبنية على سبب ديني؟

وربما يجوز التغاضي عن أن هذا التصريح لم يصدر عن البابا مباشرة وإنما نقل عنه بواسطة رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان لكن حتى لو ثبت صدور التصريح عن رئيس المذهب الكاثوليكي العالمي فإنه يبرز في هذه الحالة تساؤلان:

أولا: لماذا لا يصدر البابا بيانا رسميا عن الفاتيكان يدعو فيه الحكومات الأوروبية إلى تمكين تركيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي دون تلكؤ كما كان الحال مع دول شرق أوروبا المسيحية التي سمح لها بالدخول دون ابراز بطاقة هوية؟

ثانيا: هل يلغي تصريح البابا مطالبة الفاتيكان لدول الاتحاد الاوروبي بأن تشتمل ديباجة دستور الاتحاد على عبارة تفيد بأن الاتحاد كيان قائم على التراث الأوروبي المسيحي؟

شاهد القول هو ان الاتحاد الأوروبي ناد مسيحي للأعضاء المسيحيين فقط.. وإذن لا مكان فيه لشعب مسلم حتى لو كانت دولته ترفع رسميا شعار العلمانية، وإذا كانت دول الاتحاد تتفادى في أغلبها التطرق الى هذه المسألة اتقاء الحرج فإن ثلاث دول أعضاء كبرى، فرنسا وألمانيا والنمسا، وهي تمثل تاريخيا أقوى قلاع الكاثوليكية، أصبحت مؤخرا تجاهر برفضها الصريح لعضوية تركيا.. وان رفضها مبني على «اعتبارات ثقافية».

المماطلة الأوروبية لن تتوقف. فكلما نفذت تركيا شرطين من شروط العضوية تطلع عليها مفوضية الاتحاد بشرط جديد.

وأحدث حلقة في مسلسل المماطلة تتمثل في شرط بالغ التعجيز فالمفوضية تشترط على أنقرة الآن السماح لدولة الجزء المسيحي (اليوناني) من قبرص باستخدام الموانئ والمطارات التركية مع عدم السماح بالامتياز نفسه للجزء المسلم (التركي) علما بأن قبرص المسيحية صارت عضوا في الاتحاد الأوروبي بينما ترفض دول الاتحاد حتى مجرد الاعتراف بقبرص الإسلامية.

والآن تواجه تركيا احتمال عقوبة تفرض عليها من دول الاتحاد الأوروبي إذا أصرت على موقفها الرافض تجاه قبرص المسيحية، وأغلب الظن ان العقوبة سوف تتمثل في وقف مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد ـ أي ان المماطلة تفرز تعجيزا ينتج عنه المزيد من المماطلة.

في سياق زيارته الرسمية لتركيا أعلن البابا ان هدف الزيارة هو «الحوار والأخوة والالتزام من اجل التفاهم بين الثقافات ولقاء الثقافات والأديان من اجل التصالح». وتحدث عن «التصميم على الحوار والالتزام المشترك من اجل السلام بين المسيحية والإسلام».

كلمات فخمة دون شك ولكن كان على بابا الفاتيكان ان يتوجه بها أو بمثلها إلى قادة أوروبا المسيحية لتحقيق «لقاء الأديان والتصالح» بين المسيحية والإسلام من خلال الترحيب بتركيا المسلمة في عضوية الاتحاد الأوروبي.

ان الرفض الأوروبي الفاضح لتركيا لا يعكس فقط عداء للإسلام بل يعكس أيضا قصر نظر، فخلال العامين الأخيرين أخذت تتعالى في تركيا موجات مد إسلامي راديكالي وكأنما أدى الرفض الأوروبي لتركيا على أسس دينية إلى بعث الوجدان الإسلامي الراسخ بين صفوف الشعب التركي بما يوحي ان التوجه الشعبي المستقبلي سيكون نحو الشرق وليس الغرب.