القمة التي انعقدت أمس في العاصمة الأردنية، بين الرئيس الأميركي جورج بوش وبين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي انطوت على أكثر من مدلول وتساؤل، طبعاً هي كانت ملفتة بتوقيتها ومكانها.

ناهيك عما تسرّب ـ بالأحرى ما جرى تسريبه ـ عن تقرير مستشار الرئيس بوش لشؤون الأمن القومي، بخصوص ما يتصل بها، من الجانب العراقي لكن بالإضافة إلى ذلك، بل قبله، كان اللقاء بمنزلة التسليم بأن الوضع المتدهور في العراق بات مربكاً للطرفين.

كما أنه جاء ليعكس وجود خلاف بينهما، أو على الأقل حالة من التمايز وعدم التطابق في الرؤى والحلول المنشودة. هذا بالإضافة إلى أنه أتى بمثابة نوع من الاعتراف بأن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر، فالتردي الأمني المتمادي، وضع البلد على شفير «الانهيار»؛ كما حذر الرئيس طالباني.

أيضاً التعثر السياسي المتفاقم منع التوصل إلى معالجة للملف الأمني، إن لم يكن قد ساهم في تأجيجه، والسياسي هو مفتاح الحل الأمني كما قال المالكي.

والمعروف أن اللقاء هو الثالث بينهما؛ منذ يونيو الماضي. الرئيس بوش له حساباته وأولوياته. الضغوط الداخلية تطارده منذ فترة. حرب العراق باتت عبئاً ثقيلاً على رئاسته. وهي تهدد تركته. حزبه دفع أول فاتورة سياسية من كلفتها، بخسارته انتخابات الكونغرس الأخيرة. كما أنه يقف على عتبة استحقاق «تقرير لجنة بيكر»؛ الذي يتردد بأنه ينطوي على توصيات ومقترحات؛ لا يبدو الرئيس بوش متحمساً لها؛ حسب تصريحاته.

كل ذلك لا شك كان له دوره في قرار عقد القمة؛ فهو يبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه ويضع، في الوقت ذاته، حداً لكلفة التورط في العراق. أيضاً للرئيس المالكي اعتباراته وحساباته العراقية. وهو أيضاً يبحث عن مخارج تضع حداً للنزف الدموي الجنوني وللتصدع السياسي الذي اتسعت فجوته وباتت تهدد بأفدح العواقب والخسائر. وهو لا شك يدرك بأن عليه التعاون والتعامل مع واشنطن المتواجدة بثقل عسكري كبير على الساحة.

وبالتالي فإن قمة عمّان مفهومة الدواعي والأسباب. والسؤال: هل تكون هذه القمة بداية ما لمعالجة ما، تؤدي على الأقل إلى لجم وكبح الاندفاع إلى القاع؟ الجواب في بغداد.

السوابق والتعقيدات المعروفة، الاحتلالية والإقليمية، لا تحمل على التفاؤل، إلا إذا عاد العراقيون، كل العراقيين الفاعلين في الساحة، إلى القاعدة الأساسية المعروفة: وهي أن الخلاص للعراق، إما يكون عراقياً وإما لا يكون. ففي آخر المطاف القوات الأميركية هي قوات احتلال. وما من مرة التقت مصالح هكذا وضع مع مصالح الواقع تحت نيره.

وإذا كان لا بأس أن تعقد القيادات العراقية لقاءات قمة مع دول الجوار ومع المحتلين للدار؛ فإنه حريّ بها عقد لقاءات متوالية ومكثفة بين بعضها البعض؛ على أن تكون ناجعة ومنتجة للتوافقات يصار إلى ترجمتها على الأرض، فمثل ذلك هو بمثابة ضخ المياه على الحريق لتطويقه ثم الانقضاض عليه لإطفائه.

والمؤسف أن القيادات تدرك هذه البديهية ولا تنفك عن تردادها؛ في خطابها السياسي. المحك هو في الممارسة وبالتحديد في هذه اللحظة التي يكاد ينعقد فيها الإجماع على أن العراق يقف على حافة هاوية الحرب الأهلية؛ إن لم يكن قد مشى خطواته الأولى في طريقها.