قبل انعقاد قمة حلف شمال الاطلسي في ريغا عاصمة جمهورية لاتفيا ، قال الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش : لن أسحب قوات الولايات المتحدة من العراق (قبل انجاز المهمة) وهو ما يثير تساؤلا عن الاسباب الحقيقية التي دفعت واشنطن لعقد تحالف دولي شن حربا مدمرة على العراق ثم قام باحتلاله قبل أربع سنوات ، ومن أقوال الرئيس وحليفه البريطاني توني بلير والاسباني الساقط خوسيه ماريا إزنار ، كان الحديث ينصب على امتلاك العراق لاسلحة دمار شامل جاهزة للاستخدام خلال 45 دقيقة .

وعندما سقطت هذه الحجة الواهية التي نفاها الدكتور هانز بليكس رئيس لجنة التفتيش عن هذه الاسلحة قبل شن الحرب ، وتأكد بعد الغزو أنها تفتقر إلى المصداقية ، جرى الحديث عن سبب آخر يدعو لغزو العراق ، ويبرر هذا التدمير الهائل الذي لحق ببنيته الاساسية ، واغتيال علمائه ، وسرقة كنوزه الاثرية ، والتلويث الاشعاعي لبيئته الذي ستتواصل آثاره السلبية لعقود طويلة قادمة .

القناع المغشوش الثاني الذي تقنع به أمراء الغزو والقتل والتدمير كان تخليص العراقيين من نظام ديكتاتوري فاسد كما قالوا ، وارساء قواعد الديموقراطية والتعددية واحترام حقوق الآخر ، وهو الأمر الذي تحول في الواقع إلى ديكتاتورية ساكن المنطقة الخضراء في بغداد ، وإلى قتل أكثر من 650 ألف مدني عراقي حسب مصادر أميركية موثوقة ،وإلى اذكاء نيران العصبية المذهبية والعرقية والطائفية حتى بدأت بوادر حرب أهلية بمقدماتها الدموية الرهيبة ، وإلى إعمال المبدأ القديم المتجدد : فرق تسد ، فأصبح العراق مهيأ بالفعل للانقسام إلى 3 دويلات للاكراد والسنة والشيعة ، وإلى احداث ما أسمته وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس (فوضى خلاقة) حولت العراق إلى مسرح للمتطرفين والارهابيين من كل اتجاه ، وإلى هدف لممارسات اجرامية في حق أبنائه وثرواته الطبيعية والبشرية ، ومع كل هذا وذاك ، سقطت ادعاءات (تصدير) الديموقراطية من واشنطن إلى بغداد بعدما اتضح أنها بضاعة فاسدة غير مطابقة للمواصفات !

ومع سقوط السببين الاساسيين لشن الحرب على العراق ثم احتلاله ، يتحدث الرئيس عن (مهمة) لن يسحب جنوده من العراق إلا بعد تنفيذها ، ولا نملك إلا التساؤل : ما هذه المهمة ؟ لن تقدم الادارة الاميركية اجابة مقنعة ، لكن تصريحات بعض كبار مسؤليها ومنظري اليمين المحافظ الجديد ، تعيدنا إلى طرحهم لما أسموه محور الشر الذي يضم كوريا الشمالية وايران وسوريا ، ولما أطلقوا عليه اسم (الدول المارقة) التي تستعصي على النفوذ وفرض الهيمنة الاميركية ،وإلى أقوال منظري اليمين المحافظ في الولايات المتحدة حول اعتبار الاسلام والصين عدوين لواشنطن لمرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي .

وإذا لم تكن هذه المهمة هي العودة بالتاريخ إلى الوراء خلال الحقبة الاستعمارية ، بممارساتها في استنزاف موارد الغير والهيمنة على مقدراته من خلال قطب وحيد في عالمنا ، فماذا تكون المهمة غير المنجزة حتى الآن التي تتطلب استمرار تواجد المارينز في الأراضي العراقية ؟ سؤال يبحث عن اجابة ! .