قبل سنوات كنت منشغلاً بترجمة كتاب في تخصصي الأكاديمي وهو علم الاجتماع، وفي تخصصي الدقيق وهو النظرية الاجتماعية. وكنت أسهر الساعات الطوال إما في مكتبي في الجامعة بالشويخ أو في مكتبتي الخاصة بمنزلي. وكنت كثيراً ما تصادفني بعض المصطلحات التي لا أجد لها مقابلاً باللغة العربية، فأظل أفكر بها طويلا.
وفي إحدى الليالي وأنا على هذه الحال، تمشيت بين رفوف مكتبي، وجال نظري على كتبها، فوقعت عيناي على كتاب «الحضارة الإسلامية» تأليف المستشرق آدم متز، ترجمة محمد عبد الهادي أبوريدة.
تصفحت المجلدين فرأيت العجب العجاب، فهذا أستاذي الدكتور محمد أبو ريدة، الذي درسنى في السبعينات من القرن الماضي في جامعة الكويت، يترجم كتاباً فذاً بأسلوب راق يحسبه المرء تأليفاً وليس ترجمة، وهو يفعل ذلك وهو لم يزل طالباً يواصل دراسته للحصول على شهادة الدكتوراه،
ثم الأعجب من ذلك أنه ينجز الجزء الأول من هذا السّفر العظيم والعالم يدخل الحرب العالمية الثانية في 1939 ويتم الجزء الثاني في العام الذي يليه وقد انغمس العالم في أتون تلك الحرب الضروس.
وتتقطع السبل بأستاذنا أبي ريدة رحمه الله فينتقل من باريس إلى مدريد ويستقر في بازل بسويسرا ليواصل تعليمه، ويفلح في إرسال الجزء الثاني من مخطوط الترجمة إلى مصر «رغم وقوف المواصلات البريدية» ـ كما يكتب ـ في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب.
تألمت وأنا أقلب صفحات هذه الترجمة الراقية في هدأة الليل، كيف أنني لم أستفد من علم هذا الإنسان العظيم، فها أنا ألاقي الأمرين في ترجمة كتاب صغير وتأتي الترجمة في أحيان كثيرة ركيكة، فأمزق الأوراق وأرميها في سلة المهلات بعد أن أمضيت الساعات الطوال في ترجمتها،
وهو هذا الشخص وقد ترجم هذه المئات من الصفحات دون أن يلحظ القارئ أنه يقرأ كلاماً مترجماً. ولم يكن ألمي لتفاوت القدرات - فهذا أمر طبيعي بين البشر ـ لكن تألمي كان لأن توجهي الفكري كان يضع علي عيني غشاوة ويمنعني من الاغتراف من بحر هذا الرجل، وهي بلوى تصيب الكثيرين بالذات في مقتبل العمر!!
وطالما الحديث عن حب العلم ( وعمل أستاذنا أبي ريدة يندرج تحت هذا التصنيف ) فلنر ما يكتب المؤرخ الأميركي العظيم ول ديورانت في نهاية «قصة الحضارة» الذي ترجم إلى العربية باثنين وأربعين مجلداً، هو وزوجه (أو زوجته بالعربية المعاصرة) يصلان إلى نهاية المطاف وتأمل هذا التواضع، يقول: «بيد أنه لا بد لنا أن نروض أنفسنا على تقبل فكرة الفناء، وأن نترك لعقول أنضر القيام بمهمة ومغامرة، هما إضافة تجارب في التأليف والتركيب إلى البحوث الأساسية التي قام بها الأخصائيون التاريخيون والعلميون».
ثم يضيف: «لقد انقضت الآن أربعون عاماً من المشاركة السعيدة في ملاحقة التاريخ (يقصد مشاركة زوجته معه). وكنا نحلم باليوم الذي نكتب فيه آخر كلمة في آخر مجلد. والآن وقد أقبل هذا اليوم فإننا عليمان بأننا سنفتقد الهدف الممتع الذي أضفى على حياتنا معنيً واتجاهاً».
غير أن «الموت قد تحاشانا» ـ يكتب ديورانت ـ «فصرنا بعد سنة 1968 نعيش حياة سلبية، ونقرأ قراءات غير موجهة، فاعترانا القلق من هذا الفراغ التافه الذي لم نعتد عليه». وبالفعل قام الزوجان بمواصلة عملهما الذي ابتدآه في العام 1935 وقررا مواصلة العمل من حيث توقفا وأن يكتبا عن عصر نابليون، وأصدرا في العام 1975 مجلداً بذلك.
وهما حينما كتبا عن مرحلة نابليون كانا قد أمضيا وقتاً طويلاً من حياتهما في تتبع تلك الشخصية. يكتب ديورانت أو بالأحرى يكتبان (هو وزوجته): «وكان أحدنا من الجسارة بمكان بحيث ألقى عشر محاضرات عن نابليون في سنة 1921 ، وطوال ستين عاماً رحنا نجمع ما كتب عنه حتى إن بعض مراجعنا كانت في وقت من الأوقات مفيدة، وأصبحت الآن في حكم الميتة».!
توفيت زوجة ديورانت واسمها أريل في 25 أكتوبر سنة 1981 وهي في الثالثة والثمانين، ولم يعش زوجها ول بعدها سوى ثلاثة عشر يوماً ومات وقد بلغ من العمر ستاً وتسعين عاماً. وحسناً فعل المجمع الثقافي في أبوظبي حينما ترجم ذلك الكتاب الذي صدر بمجلدين وقام بالترجمة الدكتور عبد الرحمن الشيخ.
وتأملوا ما يقوله الدكتور جواد علي رحمه الله (توفي في العام 1987) ـ وهو مؤرخ عراقي حصيف ـ حينما وضع كتابه الثاني وأسماه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، والذي صدر في ثمانية مجلدات في العام 1968 وقارنوا بما هو متيسر لباحثينا هذه الأيام.
يقول الدكتور جواد: «وكتاباي هذان، هما عمل فرد عليه جمع المادة بنفسه، والسهر على تحريرها وتحبيرها، وعليه الإنفاق من ماله الخاص على شراء موارد غير متيسرة في بلاده، أو ليس في استطاعته مراجعتها بسبب القيود المفروضة على إعارة الكتب، أو لاعتبارات أخرى».
ويواصل الدكتور جواد علي سرد الصعاب التي تقف أمام محبي العلم وعشاقه في زمانه فيقول: «ثم عليه البحث عن ناشر يوافق على نشر الكتاب، ثم عليه تصحيح المسودات بنفسه بعد نجاحه في الحصول على ناشر، إلى غير ذلك من أمور تسلبه راحته وتستبد به وتضنيه». ثم يبين لنا دافع العلماء وراء البحث حيث يكتب: «ولولا الولع الذي يتحكم في المؤلفين في هذه البلاد، لما أقدم إنسان على تأليف كتاب».
أين نحن من هذه النماذج الطيبة التي تمثل قدوة لنا، إن الكثير منا في المجال العلمي الأكاديمي لا هم له سوى الترقية التي تتيح للكثيرين الوثوب إلى المناصب الإدارية البعيدة عن العطاء العلمي والاستفادة من الخبرة التي يكون قد اكتسبها الأستاذ في سني تدريسه الجامعي وفي طول تمرسه بالبحث العلمي.
ومما يؤسف له أن الكثير من البحوث المقدمة في المجلات العلمية المحكمة هي أعمال تحقق الشروط الأكاديمية في النشر العلمي بيد أنها تفتقر إلى الجدة والجدية. ويحسب المرء أن العلم عندنا متقدم حينما ينظر إلى هذا العدد الكبير من المجلات العلمية التخصصية، غير أن حقيقة الأمر هو أننا «نسمع جعجعة ولا نرى طحناً».!!
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com