الأزمة اللبنانية استبد بها التعثر والتعقيد، بصورة مقلقة. وبقدر ما كانت توغل في هذا المسار، بقدر ما كانت فرص الخروج منها تتقلص وتصبح شحيحة ونادرة. ولذلك حكمتها المراوحة المأزومة، التي فتحت أبواب البلد على شتى أنواع الرياح والعواصف. والآن تقف الأوضاع فيه على عتبة النزول إلى الشارع. وبذلك صارت المسألة عملية سباق مع الوقت. وبالساعة وليس باليوم.
ومن هنا الأهمية الفائقة لأي ظرف ينطوي على فرصة أو فسحة أمل، مهما كانت، لاجتناب هذا الخيار؛ الذي لا يقوى لبنان، في حالته الراهنة، على احتماله. وربما من حسن الصدفة، على مأساويتها وبشاعتها ومن باب «رب ضارة نافعة»، جاءت التطورات الأخيرة بمثل هذا الظرف. والآن على اللبنانيين العمل على عدم تبديد اللحظة؛ وبالتالي على توظيفها كجسر عبور، من حقل الألغام إلى ضفة الأمان.
هذه اللحظة تمثلت بحدثين هامين. الأول كان اغتيال وزير الصناعة اللبناني، بيار الجميل، الذي شاركت في جنازته أو في واجب التعزية، كافة ألوان الطيف السياسي اللبناني: من موالين ومعارضين، ومتراشقين ومتخاصمين. الجريمة صدمت عموم الساحة وكانت مناسبة التقى حولها الأضداد.
ربما كانت لحظة صحوة تجاوزت اللياقة وواجب العزاء، لتشي بأن القواسم المشتركة ـ ومنها رفض وإدانة أسلوب الاغتيالات ـ لا تزال قائمة وقادرة على جمع الشمل ولو بقوة المصيبة. أو على الأقل، كانت محطة للعودة إلى الذات وللتأكيد بأن شعرة معاوية بين أطراف المعادلة لم تقطع بعد. الحدث الثاني كان في القمة اللبنانية الروحية الإسلامية ـ الشيعية، السنية، الدرزية ـ التي طلعت بتوافق حول رفض النزول إلى الشارع وبالإجماع.
وكان لذلك أهميته الكبيرة من ناحيتين. الأولى أنه جاء بمثابة تنفيس للاحتقان الطائفي المذهبي، الذي أخذ يتراكم في الآونة الأخيرة. وفي ذلك مساهمة وازنة في تبريد الأجواء. من ناحية ثانية، كانت بمثابة نداء وتحذير من المخاطر المحفوفة بخيار الشارع. وفي ذلك نهي حاسم عن اللجوء إلى مثل هذا السلاح؛ الذي يخشى أن يخرج عن طوره وسكته فينقلب إلى زيت على نار الأزمة.
إذا كان مثل هذا الإجماع قد تحقق على مستوى جنازة وطنية ثم على مستوى قمة روحية؛ فإنه من الأجدر والأولى به أن يتحقق على مستوى العودة إلى حوار حول طاولة؛ باعتباره ليس فقط البديل الأكثر أمانا وضماناً، بالنسبة لمصلحة لبنان؛ بل أيضا باعتباره الخيار الذي لا غنى للبنانيين عنه. ولطالما ردد سائر أطراف هذه الساحة بأنهم محكومون بالتوافق؛ وبأن إلغاء أو شطب الآخر، مسألة غير واردة وغير قابلة للتحقق.
ولولا ظروف لبنان المعروفة وانكشاف أوضاعه الأمنية ـ والاغتيالات السياسية التي توالت خير دليل ـ؛ لما كان هناك مثل هذا التخوف من التظاهر في الشارع. وبكل حال حتى ولو حصل النزول هذا ومر بسلامة كما سبق وكان لأكثر من مرة في الآونة الأخيرة؛ فإن خيار التلاقي والتحاور يبقى المحطة المحتوم الرجوع إليها؛ كما تعترف مختلف الأطراف بذلك.
لقد توفرت عدة فرص للانفراج في السابق. الأحداث المتعاقبة جرفتها. أو أن الحسابات اخطأتها. وبذلك تراكمت حمولة ثقيلة على اكتاف الجسم اللبناني. وهو يكاد ينوء تحتها. ومن هنا لم يعد من الجائز تفويت اللحظة الراهنة من دون توظيفها للرجوع عن حافة الهاوية.