إذا كان العري بالنسبة للبشر كشف عورة.. فإنه بالنسبة للاعلام كشف للحقائق وهو غاية العفة والشرف. وهذا هو ما أكدته وسائل الاعلام الامريكية امس من ان ما يحدث فى العراق هو بالفعل حرب أهلية، وليس كما يقول البيت الأبيض مجرد عنف.

وربما هذا الاعتراف الذى جاء عشية زيارة الرئيس جورج بوش الى الاردن بمثابة ضوء أحمر ليس للادارة الامريكية بالطبع ولكن بالنسبة لنا نحن العرب. ولكن سواء اعترف الاعلام الامريكى او لم يعترف وسواء أنكر البيت الابيض او لم ينكر بان عملية «الحرية فى العراق» قد باءت بالفشل، فان الظواهر والشواهد لم تعد فى حاجة الى اعتراف ممن قادوا هذا الغزو تحت مبررات ودعاوى ثبت كذبها. فكل ما بشر به الرئيس الامريكى جورج بوش فى هذا البلد، من نشر للديمقراطية وعودة الاستقرار وجعل العراق نموذجا للرفاهية الكل يسعى اليه، لم يحدث بل حدث العكس تماما، والأسوأ هو ان الامور تدهورت بدرجة لم يعد لأحد ان يتكهن الى اى حد يمكن ان تصل.

حتى الحكومة العراقية التى قيل انها يمكن ان تعيد الامور الى نصابها يمكن الآن تسميتها بحق حكومة المنطقة الخضراء.. فهى بالكاد لاتخرج منه , وبالرغم من تأمينه بالقوات العراقية والامريكية فانه لا يكاد يمر اسبوع الا وتعرضت المنطقة الخضراء للقصف بالهاون. لم يعد هناك شبر على ارض العراق لم تمزقه الصراعات ولم يرتو بالدماء. بالاضافة الى ذلك فكل التقارير السرية والعلينة الصادرة من واشنطن تؤكد ان المقاومة تطور أداؤها فى العمليات بل انها أصبحت الآن تسيطر على قطاعات كبيرة فى هذا البلد تمهيدا لتحويلها الى جمهورية اسلامية.

... نخطئ اذا توقعنا انفراجة ما نتيجة زيارة بوش الى الاردن، فالتوقعات الايجابية تم اجهاضها بالاساليب السياسية التى تتبعها نفس الادارة. ونخطئ ايضا اذا اعتقدنا ان السياسة الامريكية هى قدر علينا لايمكن تجاوزه، فالتجارب السابقة سواء فى عملية السلام مع الفلسطينيين، فى بناء شرق اوسط جديد كانت كلها اوهام اصطدمت بالواقع المجرد.

الازمة الحقيقية هى ان الحقائق تغيب سواء بقصد أو بغير قصد عن صناع القرار الامريكى، فهم كانوا يرون ان ازمة الشرق الاوسط كانت فى نظام صدام حسين والآن يرون ان الازمة فى النظامين السورى والايرانى، غدا يمكن ان يروها فى الشعوب العربية.. الآن نحن لم نعد فى حاجة الى المزيد من الاعترافات، ولم نعد فى حاجة الى القول بان تدهور الأوضاع فى العراق سيكون بمثابة انفجار لبركان سيأخذ فى طريقه الاخضر واليابس، ولكننا أصبحنا مطالبين أكثر من اى وقت مضى بالعودة الى المنطق وتغليب فكره، واستيعاب الدرس الامريكى فى العراق، وندرك ان عنصر الوقت لم يعد فى صالحنا.