بعد رحلة مضنية من الدراسة والبحث عن نظام حاسوبي متطور للموارد البشرية لإحدى المؤسسات التي أمضيت زمنا في الخدمة فيها، استغرقت مني ومن فريق العمل الذي كان يعمل معي قرابة سنة كاملة، وقع اختيارنا على نظام يلبي كل المتطلبات التي حددناها وبتكلفة معقولة،.

وعندما عرضنا المشروع على السلطة المختصة للموافقة على شراء النظام فوجئنا برفضه بحجة أن جهة استشارية متخصصة ستأتي في وقت لاحق لدراسة هذا الأمر ووضع التوصيات المناسبة بشأنه، فأسدل الستار بذلك على الفصل الأول من هذه الكوميديا، وهكذا بقيت تلك المؤسسة بعد ذلك بضع سنين تنفق ملايين الدراهم على الدراسات الاستشارية بلا نظام حاسوبي لمواردها البشرية، وخسرت كمّا هائلا من المعلومات الحيوية التي يتعذر جمعها وتصنيفها وتحليلها يدويا.

هذا المثال نسخة مكررة لآلاف الأمثلة التي تهدر فيها الفرصة الجيدة إما بتجاهلها تماما أو باستثمارها بعد فوات الأوان، أو نجد على الجهة الأخرى استنزافا للموارد لاستثمار فرصة فاشلة أو قبل اكتمال عناصر نجاح الفرصة، مع أن حياة البشر سواء أكانوا أفرادا أم جماعات أم مجتمعات أم أمما قد اعتادت في احتكامها على كلتا الفرصتين باستخدام ميزان ذكاء التعامل مع الواقع الذي يقوم على مبدأ اقتناص الفرص النافعة (الإيجابية) .

في وقتها المناسب وجني أكبر قدر من فوائدها، واستبعاد الفرص الفاشلة (السلبية) أو تقليل خسائرها إلى الحد الأدنى، عملا بالقول المأثور: خير للإنسان أن يكون كالسلحفاة في الطريق الصحيح، من أن يكون غزالا في الطريق الخطأ.

وعلى هذا المنوال فإنه لا يكاد يمر يوم تقريبا، إلا وتلوح أمام أي مسؤول حيثما كان، وسواء أكان وزيرا أم مديرا عاما أم رئيسا تنفيذيا أم قياديا على أي مستوى من مستويات الهرم التنظيمي في مؤسسة عامة أو في شركة خاصة فرص تأخذ شكل أفكار وإبداعات جديدة لتطوير الخدمة أو المنتج أو شكل مبادرات وحلول لتطوير أساليب العمل أو شكل مشروعات مبتكرة تحقق مكاسب اقتصادية أو استراتيجية أو اجتماعية، ولكن أصحاب القرار هؤلاء يتفاوتون في ردود أفعالهم إزاء تلك الفرص:

فالنموذج الأول، شديد الحذر، مبالغ في ارتيابه من تبني الفرصة لدرجة التردد، يبني في طريقها أسوارا شاهقة من الأعذار الواهية والنظرة التشاؤمية لتبرير تردده أو تقاعسه، ويستخدم الدراسة والبحث والتمحيص ذريعة لاستنفاذ الوقت بأضعاف ما تحتاج إليه.

ولأن هذا النموذج بطبيعته لا يتقبل إلا الفرص المضمونة كالرخمة (الحدأة) التي لا تقع إلا على الجيف، فإنه عندما يفيق من سباته وقد فات الأوان يفاجأ بمؤسسته أو دائرته وإذا هي في مؤخرة الركْب، وإذا بكل المكاسب والعوائد المتوقعة بعدما كانت عصفورا في اليد قد تحولت إلى عصافير على الشجرة، وإلى خسائر محققة يدفعها المجتمع من عرق أبنائه وجيوبهم ومستقبلهم.

أما النموذج الآخر، فهو دائما في عجلة من أمره لا وقت لديه حتى للتفكير، مندفع لدرجة الطيش وكأنه يسابق الزمن، ما إن تلمع الفرصة في مخيلته، أو يجد ضالته في أي فكرة أو مبادرة عند غيره ولو بطريق المصادفة ولو كانت فاشلة من الناحية التطبيقية حتى يختطفها كالغراب الذي يقضي نهاره في سرقة طعام غيره، ويهرع إلى تنفيذها جارفا كل العقبات التي تقف في طريقها، لا يفكر إلا في النتائج.

ولا همّ له إلا استباق منافسيه، وهذا النموذج لا يقيم وزنا للأساليب الحديثة المستخدمة في التطوير من دراسة وتخطيط وتنظيم فني وإداري ومالي، فإذا بالفرصة تتصدع وتتهاوى قبل أن تقف على قدميها، أو تظهر إلى الوجود مليئة بالأخطاء والتأثيرات السلبية والأضرار، وتذهب الجهود والأموال والأوقات هباء منثورا، ولا يعود المجتمع من وراء تلك المغامرات المجنونة إلا بالإخفاقات اللصيقة بعشوائيته وتهوره.

وهكذا ينقسم الفاشلون إلى قسمين: قسم يفكر دون تنفيذ، وقسم ينفذ دون تفكير، أما الناجحون فيجمعون في عملهم بين أحسن صفات هذين النموذجين ويتجنبون أسوأ صفاتهما بين أخذ الحيطة والعمل الدؤوب في صمت، وبين الإقدام في شجاعة وثقة لاستثمار الفرصة وحصد المكاسب ومسابقة الزمن.

لو دققنا النظر قليلا لوجدنا أن النموذجين الأول والثاني يجمعهما أكثر من قاسم مشترك ولكنها قواسم تلبس لكل حالة قبعة مختلفة: أما القاسم الأول فهو نقص الكفاءة، ، ويظهر في حالة النموذج الأول على هيئة عدم امتلاك المهارات السلوكية والشخصية، كافتقاد الشجاعة والجرأة وافتقاد الثقة بالنفس أو بقدرة الطاقات المتاحة على تنفيذ المشروع.

وهذا ما يجعله لا يقدم على عمل حتى تحين اللحظة التي تنضج فيها الفكرة وتغدو خالية تماما من كل العيوب والنواقص قبل تدشينها، ولم يتبادر إلى ذهنه أن البشرية لو بقيت ترتقب تصنيع سيارة خالية من العيوب والنواقص، لبقيت إلى اليوم تمتطي ظهور البغال والحمير.

أما في حالة النموذج الثاني فإن نقص الكفاءة يظهر في صورة إساءة تطبيق المهارات المهنية والمعرفية التي تمكّنه من تسخير الأدوات والأساليب العلمية والمنهجية للوصول إلى القرار الصائب، وهذا النموذج لا يعي أهمية اختمار الفكرة وإعطائها ما تحتاجه من وقت للدراسة والبحث والتخطيط لقياس المكاسب والفوائد التي ستعود من ورائها.

ومدى إيجابية نتائج محاكاتها على أرضية الواقع، وطبيعة انعكاساتها وتأثيراتها المحتملة (حميدة كانت أو خبيثة) قبل البدء في التنفيذ، ولو كانت الدول المتقدمة على طريقة هذا النموذج تتعجل تطبيق كل ما يجول بخواطر مسؤوليها وعلمائها ومبتكريها من الأفكار والفرص والمشروعات، لتبخرت جهودها وثرواتها دون أن تبلغ عُشر معشار ما هي عليه اليوم.

اما القاسم المشترك الآخر الذي يجمع بين هذين النموذجين فهو الانحراف النفسي والأخلاقي، ويتبين ذلك في تكييف مشاعر الخوف الوظيفي التي تنتاب كل واحد منهما أثناء التعامل مع هذه المسألة، فكلاهما يتهرب من دفع فاتورة الفشل التي عادة ما يكون ثمنها الكرسي والمنصب المرموق: فالأول يقع فريسة مخاوفه من المساءلة عن أخطائه.

ولهذا يفضل انتظار الآخرين حتى يخوضوا التجربة أو يطبقوا الفكرة فإذا وصلوا إلى بر السلامة سار مقتفيا آثارهم، أو ربما بقي جالسا في مكانه لم يتزحزح. وأما الثاني فيقع فريسة مخاوفه من المساءلة عن تخلفه، ولهذا يصنع من الحبوب قبابا ومن أنصاف الفرص فرصا، في لهاث لا يتوقف بحثا عن إثبات الوجود والتفوق على الآخرين بكل الوسائل الممكنة.

وبين تصرفات هذين النموذجين وممارساتهما يبقى المجتمع هو الضحية، إما بتفويت المكاسب وزعزعة الثقة في النفس في القدرة على المبادرة على طريقة النموذج الأول، وإما بإتلاف الثروة وتكريس الشعور بعدم الاقتدار على طريقة النموذج الثاني.

ولأن الأمم المتقدمة هي تحرص أشد الحرص على المحافظة على مواردها واستمرارية نموها وتطورها فإنها تلجأ إلى إبقاء حالة من التوازن بين الجمود والتقوقع، وبين التعجل والاندفاع في حركة غير محسوبة وغير عقلانية، لأن الابتكار ليس مطلوبا لذاته بل للنتائج المترتبة عليه.

ومن هنا فإنها تعمل على معالجة هذا الخلل بإيجاد أساليب متنوعة للمحاسبة أو ما يسمى بالحوكمة تعمل من خلالها على تخليص مؤسساتها من هذه النماذج السيئة أو تحد من تأثيراتها السيئة، لا بمعايير مزاجية بل بمعايير تقيس المكاسب والفوائد المهدورة أو الضائعة، كما تقيس الخسائر والأضرار التي كان ممكنا تجنبها.

كاتب إماراتي