مشكور الأمين العام للأمم المتحدة على تحذيره وإنذاره، بشأن الأوضاع المتدهورة في العراق. عميد الدبلوماسية الدولية رأى بدافع مسؤوليته، على ما يبدو، أن عليه وضع لغة التلميح والكلام بالإشارة جانباً وتعمد تسمية الأشياء بأسمائها.
فقد وصف الحال هناك بأنها تقف على شفير حرب أهلية؛ أو أن البلد يعيشها «تقريبا»، أهمية كلامه في أنه يشكل صرخة مدوية للإنقاذ والاستباق؛ قبل فوات الأوان، وكأنه جاء ليقول إن الاستمرار في الجدل حول تعريف ما يحصل في بلاد الرافدين، لا يجدي كيفما كان، فهو يهدد البلد وينطوي على مخاطر مصيرية؛ قد لا تقتصر آثارها على الساحة العراقية وحدها من دون جوارها. وعليه شدد عنان على وجوب «القيام بعمل جذري وعلى وجه السرعة، لوقف التدهور وتفادي وقوع العراق في أتون الحرب الأهلية؛ التي كدنا في الواقع نصل إليها».
كلام صريح، موجه إلى العراقيين وجيرانهم. وبالذات إلى الرئيس بوش الذي لا يزال يكابر، وينفي احتمال وصول البلد إلى مثل هذه الحالة المدمرة. هو نداء عاجل صريح، لا يحتمل التأويل ولا التأجيل. قد يكون جاء متأخراً. لكن لا بأس على الأقل من وضع النقاط على الحروف من حيث التنبيه ومن حيث تحديد المسؤوليات والمطلوب.
تحذيرات كثيرة صدرت عن جهات وعواصم مختلفة، حول مخاطر وقوع العراق في مستنقع حرب أهلية، لا تبقي ولا تذر. وكلها كانت موضع اخذ ورد ونقاش، لكن هذه المرة هي تصدر عن المؤتمن على السلم الدولي. أو على الأقل عن مرجع دولي، يفترض أن يكون من المحايدين والمطلعين.
ومن هنا وزن وخطورة تشخيصه للحالة العراقية ومطالبته ذوي الحل والربط، بالاستعجال للحيلولة دون «خراب البصرة». ومن هنا أيضاً باتت الكرة في ملعب المعنيين، جميعهم، لمنع هذه الكأس عن العراق وبالتالي عن المنطقة، فهي في ملعب الاحتلال. وبالذات واشنطن التي أصرت ولا تزال على الهروب من التسمية؛ لكي تتهرب من المعالجة الموضوعية الناجعة؛ لحالة النزف المفجعة التي تفتك بهذا البلد وأهله.
ليس من الضروري أن تصل الأمور إلى هاوية الحرب الأهلية، للاعتراف بواقعها. فهي ليست مسألة اعتراف وتوصيف، هي مسألة تحوّط مسبق لخطر، تشير كل الوقائع والأدلة انه يسلك الطريق المؤدية إلى دائرته.
كما إن الكرة في ملعب الأطراف العراقية كافة، فالعنف الطائفي ـ المذهبي المنفلت من عقاله والذي بلغ حدود الإبادة والانتحار الجماعي، يستحيل التصدي له وقطع دابره إلا على أيدي العراقيين، بصرف النظر عن مدى دور الخارج في عملية النحر هذه، كما يتعذر وقفه في ظل خطاب محلي طافح بالشحن والثأر الطائفيين.
ويعرف العراقيون، قبل غيرهم، أن المدخل لمثل هذا التصدي يتمثل في تحقيق توافق سياسي ولو بالحد الأدنى؛ تعذر الوصول إليه حتى الآن بالرغم من كافة المحاولات والتطمينات والوعود.
وفي هذا الصدد تبرز مسؤولية الجوار وخاصة الدور العربي، المطلوب حضوره بقوة، بعد قطع إجازته التي طالت وغيابه عن هذا الملف. أو على الأقل ضعف دوره وتأثيره في التطورات العراقية ومواجهتها.
الأمين العام للأمم المتحدة أطلق صفارة الإنذار، الآن على رجال الإطفاء المناوبين الهروع إلى مكان الحريق قبل أن تستعصي النار على إطفائها.