السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله ينذر باللجوء للشارع في أي لحظة.

وخالد مشعل زعيم حركة حماس ينذر بانتفاضة ثالثة خلال 6 أشهر.

والرئيس الأميركي جورج بوش ينذر السودان بالوصول لحل في دارفور قبل مطلع العام.

أطراف عديدة تنذر الحكومة العراقية بضرورة تحديد برنامج زمني لوقف التدهور الأمني.

فرنسا تنذر بتعديل قرار المحكمة الدولية لتصدر بناء على الباب السابع من الميثاق الأممي.

انذارات متزامنة في ملفات متشابكة تمتد خيوطها من لبنان إلى سوريا إلى السودان إلى فلسطين المحتلة وطبعاً واشنطن، وهي ترسم صورة منطقة تقف على حافة الانفجار.

وربما يكون هذا المشهد هو المشهد الأكثر مدعاة لاستحضار عنوان الكتاب الذي أصبح أحد أهم الكلاسيكيات السياسية في العالم «أحجار على رقعة الشطرنج» لصاحبه وليم غاي كار، لكن رقعة الشطرنج التي تتبادل عليها القوى الدولية والإقليمية توجيه عبارة «كش ملك» هي رقعة شطرنج لم تكد تهدأ طوال أكثر من سبعين عاماً منذ صدر وعد بلفور المشؤوم منذراً بإعادة رسم الخريطة عبر اقتلاع شعب من أرضه وإطلاق صراع طويل على بقعة جغرافية لها أهمية استراتيجية قصوى على مدى التاريخ، ولها أيضاً أهمية دينية استثنائية.

العنف عواصف ودوامات

وقد عرفت رقعة الشطرنج العربية عواصف عنف متوالية كل منها تركت خلفها أنقاض بنية هدمت لإرساء قواعد بنية جديدة فرسمت خرائط وأزيلت دول وقسمت مجموعات سكانية وفقاً لأجندات دولية لا وفقاً لرغبات الشعوب، فاختفت كردستان وانفصلت السودان عن مصر وقسمت اليمن و.. واشتعلت حروب طاحنة أطاحت عروشاً ودخلت المنطقة العربية حقبة من الانقلابات العسكرية المتوالية التي لم تتوقف حتى انقلاب موريتانيا الأخير.

وسلسلة الإنذارات المشار إليها ـ وهناك غيرها كثير ـ تشير إلى انقضاء عصر «عواصف العنف» ودخول عصر «دوامات العنف»، فالضغوط على السودان تمتد هزاتها الارتدادية إلى تشاد بل النيجر التي شهدت صدامات عنيفة بين العرب والأفارقة، واجتماع مجلس الوزراء اللبناني لإقرار مشروع اتفاق المحكمة الدولية يأتي صداه من دمشق، وخطر تقسيم العراق يمكن أن يقوض استقرار تركيا وإيران وسوريا.. ..

وهكذا. ودوامات العنف الجديدة أكبر حجماً بكثير من قدرة الدولة القطرية العربية فكل تحليل أو استشراف مستقبلي يؤكد أن انفجار صراع مذهبي في العراق سيمتد لخارج العراق واستمرار الصراع في السودان يهدد بقاء النظام التشادي والصراع بين الحكومة الصومالية وميليشيات المحاكم الإسلامية يمكن أن يزعزع استقرار دولتين معاً هما إريتريا وإثيوبيا.

فالأزمات تبدأ داخل حدود دولة واحدة ثم تصبح دوامة تهدد بابتلاع أطراف أخرى، وبالتالي فإن كل الملفات الساخنة في المنطقة العربية هي في الحقيقة أزمات إقليمية تمتد الحدود المحتملة لتفاعلاتها إلى محيط أوسع.

والملفت أن رقعة الشطرنج الكبيرة وإن امتدت شرقاً لتشمل إيران وجنوباً لتشمل القرن الإفريقي وشمالاً لتضم تركيا بسبب الملف الكردي يظل قلبها «العالم العربي».

وبعد زوال نظام سياسي من هذه الرقعة بالقوة ـ النظام البعثي العراقي ـ في سابقة تاريخية لم يتجاوز النظام الرسمي العربي مرحلة التحذير والإنذار، ولم تزل الجامعة العربية وهي المظلة الإقليمية المنوط بها بلورة رؤية تتجاوز الخوف وتصورات للحل تتجاوز التحذير من الفوضى وآليات أكثر فعالية من «دبلوماسية الإنذارات» لم تزل هذه الجامعة رهينة عجزها.

والسمة الثانية في الاستجابة الرسمية العربية للتحديات الكبيرة التي تتصاعد وتيرتها هي تراجع دور الدولة العربية لتحل محلها القوى غير الرسمية، فمثلاً النظام السوداني في مواجهة أزمة دارفور تراجع دوره ليحل محله دور الميليشيات الشعبية «الجنجويد» وفي الصومال صعدت ميليشيات المحاكم الإسلامية لتملأ الفراغ الذي كان يفترض أن تملأه الحكومة الانتقالية كبنية مؤسسية رسمية بل دخلت في صراع معها، وهكذا أصبحت دول عربية تحتمي بشعوبها بعد أن كانت أقدس مهامها حماية هذه الشعوب.

إما.. .. وإما

ودبلوماسية الإنذارات المتبادلة تكشف عن نزوع غربي قوي لمعركة فاصلة تمتد بامتداد رقعة الشطرنج تكتب نهاية لسياسات تجاهل المشكلات المزمنة وقبول الحلول الوسط وتفضيل الاستقرار على التغيير.

وهي في الوقت نفسه تعبير عن تحول مهم في السياسة الدولية هو الصعود غير المسبوق لدور المجتمع الدولي وتفعيل الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة والتلويح باللجوء إليه في العديد من الأزمات وهو وإن كان مرتبطاً بالصعود الكبير للولايات المتحدة كقطب دولي وحيد إلا أنه في الوقت نفسه دليل على تقارب غربي أوروبي أميركي بشأن الملفات الأكثر أهمية في المنطقة بعد عقود من سياسات التأجيل والتوافق والحلول الوسط والصفقات.

ولندرك الفرق الجوهري بين حقبتين مختلفتين تماماً في السياسة الدولية نستحضر الطريقة التي تم بها حل أزمة الصواريخ الكوبية فعندما وصلت لطريق مسدود طرح الروس صيغة «كوبا مقابل تركيا»، وعندما أرادت الولايات المتحدة إقناع النظام السوري بالمشاركة في تحرير الكويت عقدت صفقة «الكويت مقابل لبنان»، أما في الحقبة الجديدة فلا مكان على ما يبدو لمثل هذه الصفقات.

وإزاء هذا التقارب الغربي الغربي ضاق أمام العالم العربي هامش الحركة والمناورة وأصبح مخيراً بين الأبيض والأسود مدعواً للاختيار لا بين العصا والجزرة بل بين عصا غليظة وأخرى أغلظ!

وضمن المستجدات أن التسويف لم يعد مقبولاً والرهان على الوقت حلت محله الجداول الزمنية والتلويح بالبدائل الأكثر غلظة، ويشار هنا إلى التلويح الأميركي باللجوء في الشأن السوداني إلى الخطة «ب» مع رفض الكشف عن محتواها، فالسودان حسب هذا الإنذار مخير بين المر والأكثر مرارة.

وربما لو كانت العلاقة بين الحكومات العربية وشعوبها أكثر سواءً لكان بإمكانها إدارة هذه الأزمة الخانقة بشكل أيسر لكنها للأسف محاصرة بضغوط الخارج ومثقلة بهشاشة الداخل.

وفي مواجهة «إما وإما» تبقى الدوامات مرشحة للاتساع والمخاطر متجهة للتصاعد، فالاحتقان المتزامن في لبنان والسودان والأرض المحتلة والعراق يحمل في طياته مخاطر كبيرة والاستجابة العربية تظل حبيسة رؤية كلاسيكية للذات والعالم وبعض الأبواب إذا فتح فلا سبيل لإغلاقه فإما تجرع مرارة الدخول منه والصبر عليها وإما الانتحار بالخروج من التاريخ.

كاتب مصري