تنفق وزارة التربية والجامعات أموالاً طائلة على تعليم اللغة العربية في المدارس والجامعات، ويحرص المعلمون والأساتذة على تعليم جوانب اللغة المختلفة نحواً وصرفاً ومعجماً وصوتاً، ويجهد بعضهم في تحري الأساليب العربية الفصيحة ليعلموها طلابهم، ويشعر بعض المعلمين بالمرارة حين يرون طلابهم يخطئون في بعض هذه الأمور، فيواصلون الليل بالنهار في التفكير في أحسن السبل لتقويم ألسنة طلابهم حرصاً على هذه اللغة التي يعتدّونها عنوان هويتهم.

ومستودع معارفهم، وتراثهم وثقافتهم، وأداة تواصلهم الحي في الماضي والحاضر والمستقبل، الجامع بينهم يوم لا جامع إلا هي؛ لأنها لغة قرآنهم وتراثهم، وأداة تواصلهم الوجداني والمعرفي والفكري والقومي والإنساني.

يفعلون ذلك لأنهم يعتقدون إن هم فرطوا فيها فإنهم سيفرطون في أهم ما يمتلكه الفرد وما تمتلكه الأمة، ولأنهم يعلمون أن الأمم الحية في سباق محموم من أجل نشر لغاتها، وعمل كل ما بوسعها لتيسير تعليمها على أفضل وجه وبأيسر سبيل، فلا يبخلون بالمال في سبيل هذه الغاية التي تتراجع خلفها كل الغايات.

وهذه الروح التي بدت عند الأمم المتقدمة انتشرت عدواها عند الأمم التي تبحث لها عن مكان تحت الشمس، فأصبحنا نرى لغات لديها مشكلات كبيرة في الرسم والكتابة والمعجم تجهد في إدخال لغتها من أوسع بوابات العصر؛ لأنها تعلم أن مشاركتها الحقيقية لن تتم إلا عبر بوابة لغتها القومية، الحاضنة لتاريخها وثقافتها والمعبرة عن هويتها ووجدان شعبها، فأصرت على تعليم العلوم جميعاً بلغتها، حتى الكيان الصهيوني يفعل ذلك ويحقق تقدماً هائلاً في العلم والمعرفة.

ونحن نتذرع بحجج واهية لا تقنع أحداً، وستنعكس سلباً على كل مرافق حياتنا، وستوسع الفجوة بيننا وبين الأمم المتقدمة؛ لأننا لا نزرع العلم في تربتنا، بل يظل نباتاً شيطانياً مهما يطل تعليمنا له بلغة غير لغتنا.

أقول هذا ونحن نرى القائمين على أمر هذه اللغة في وزارة التربية والمعاهد والجامعات يحاولون أن يفعلوا ما بوسعهم لتعليمها بما يتيسر لهم من أدوات، وبما تنفقه هذه الجهات من أموال وجهد في سبيل ذلك، وإذا جهات أخرى تسعى لهدم ما يبني هؤلاء المخلصون من حيث تحتسب أو لا تحتسب؛ ولعل أبرز ما نراه من ذلك يظهر بوضوح في الفضائيات، فمن العجب أن تقوم محطة بتوظيف مذيعين يظهرون أمام الناس ليلاً ونهاراً .

وربما ينتزعون محبة الصغار والكبار، ويحققون ألفة معهم لأنهم ضيوف دائمون عليهم، من دون أن تكلف هذه المحطة نفسها عناء إعدادهم إعداداً لغوياً سليماً؛ فمن المعروف أن ما ينفق من جهد ووقت في تعليم اللغة يضيع في لحظات أمام ما يتفوه به المذيعون والمذيعات من أخطاء فاضحة دون أن يطرف لهم جفن، ودون أن يشعروا بالخجل أمام ما يرتكبون من أخطاء.

وليس الأمر مقصوراً على أخطاء في مواقف عابرة، بل يظل الأمر يتكرر بشيء من القصدية وربما من عدم اللامبالاة، ولنا أن نتأمل الإعلانات في القنوات الفضائية التي تصر على انتهاك حرمة اللغة انتهاكاً فظيعاً، وكأن الخروج على قواعد اللغة وكتابتها من الأمور التي تساعد على رواج السلعة أو على جذب انتباه العملاء والمستهدفين.

ولعل مما يزيد الطين بلة ما نراه من إعلانات في الشوارع يمر بها الناس كل آن، ترسخ في أذهان الناس صغاراً وكباراً، ولاسيما أولئك التلاميذ الذي يتعلمون شيئاً يجب أن يُعزَّز ويكرَّس في وعيهم بطول الممارسة والتكرار والتثبيت، وتأتي هذه الإعلانات لتقول شيئاً آخر.

ولتؤدي وظيفة معاكسة هي وظيفة الهدم في مقابل مهمة البناء، وكم أتمنى أن يقوم الغيورون على هذه اللغة من جمعيات ونواد ومؤسسات وأفراد بإسماع صوتهم إلى ذوي الشأن؛ لتلافي ما يحدث من انتهاك للغة في الإعلانات التجارية والحكومية وفي الملصقات وفي اليافطات الثابتة والمؤقتة، حتى يتنبه هؤلاء إلى أن شيئاً غير عادي أو مقبول يحدث، وأن ما يقومون به مستنكر من الناس جميعاً؛ ضناً بالجهد والمال اللذين ينفقان في أغلب الأحوال من دون طائل.

ومن المفارقات الكبرى أن القائمين على أمر التعليم في كثير من البلاد العربية لا يترجمون ما يفعلون إلى حقائق؛ فكثيراً ما نجدهم في مؤسساتهم لا يقومون بتحرير ما يكتبون فيخطئون أخطاء مذهلة في قواعد اللغة وكتابتها، ولا يكترثون لما يقعون فيه من أخطاء.

وربما يجدون لأنفسهم العذر سلفاً إن هم أخطأوا، لأن العيب الحقيقي الذي تحمر له وجوههم في خطئهم في اللغة الأجنبية العتيدة. والأمر الأخطر الذي يبعث على الحسرة والحزن الشديد ما نراه في مؤتمراتنا العلمية الناطقة باللغة العربية؛ فالسادة المنتدون لا يكترثون للأخطاء التي يرتكبونها، حتى لو كانوا من أوثق الناس صلة باللغة العربية من مثل التاريخ والدراسات الإسلامية، حتى خطباء المساجد أصبحوا يتباعدون شيئاً فشيئاً عن الالتزام بقواعد اللغة وصوتها وصرفها؛ ظناً منهم بأن الشريعة شيء واللغة شيء آخر، فبدل أن يعززوا المفاهيم والمهارات لدى المستمعين والمتلقين يهدمون هم الآخرون ما يبني الآخرون.

ولا بد من استخلاص العبرة مما يجري من هدم متعمد للغة بأيدي قوم أقل ما يمكن أن وصفهم به أنهم لا مبالون غير مكترثين عبثيين، وهل يمكن لنا أن نسكت عن هذا التمادي في تقويض بنيان لغتنا يوماً بعد يوم؟ وكيف لنا أن نرضى دون أن نخجل أو نهتز أن نخرب بيوتنا بأيدينا؟ وإلى متى نستمرئ أن نهدم بمعاول الأنانية أو الجهل أو عدم الاكتراث ما يبنيه الآخرون؟ سؤال خطير خطير يحتاج إلى جواب متدبر مسؤول.

جامعة الإمارات