لن تنجح لعبة القط والفأر في تصعيد الحرب أو تخفيض حدتها مع الفلسطينيين، لأن إسرائيل بكل نوازعها وجبروت سلاحها، عجزت أن ترد قوة الحجر، والصاروخ البدائي، ومنع امرأة تجاوزت عامها الستين أن تستشهد أمام مرأى القهر الاجتماعي الذي يعيشه شعبها، ومن هذا المنظور لم يعد لإسرائيل خيارات تستطيع بها تحريك العالم ببطولاتها، لأن الفلسطيني صار المعادل العسكري لقنبلتها النووية وأرضه ميدان المعركة الطويلة، وبالتالي لا بد من إدراك، ولو متأخرا، أن قضية السلام هي معبر كل الأزمات..
الهدنة الفلسطينية - الإسرائيلية ربما تكون المقدمة لحوارات مفتوحة تقوم على إيضاح الأزمة وحلها في كل المنطقة، ولأن أمريكا شريك متداخل في العلاقات المتوترة، بدءاً من العراق، ومروراً بالسودان ولبنان، وانتهاءً بالوضع الإسرائيلي مع العرب، لا بد أن ترى نفسها في المرآة العالمية التي صارت انعكاساتها على الدولة العظمى أكثر ضرراً من طروحاتها، واعتقادها أنها البيئة النظيفة في عالم ملوث لا بد أن تكون البديل الموضوعي للدواء والعلاج، وصاحبة الرسالة السماوية..
فالقضية الفلسطينية هي الأصل في الحروب وتعدد الولاءات العربية بين قوى العالم، ومصدر القلق للعالم كله التي تربطه مصالح مستمرة مع دول المنطقة، وما لم تكن أمريكا وسيلة الضغط على إسرائيل لتحسين علاقتها بالعرب، والعالم الإسلامي، فإنها الوسيلة بصنع المشانق، بدلاً من فتح أنفاق السلام والتعايش بين عدوين لدودين يمكن إصلاح مسار سياساتهما بالواقعية والنظرة الموضوعية..
فمركب العنف والإرهاب، وتتالى الحروب وحشد الأسلحة على حساب التنمية جاءت من نزعة إسرائيل العدوانية، والتي وجدت في الحضن الأمريكي الدلال، والعفو، والدفاع عنها بكل وسائل القوة، وهذا الاتجاه بالسياسة الأحادية الجانب، خلق الظروف المضادة ليأتي مستنقع العراق أقوى امتحان لأمريكا بعد حرب فيتنام، وقد كان لتقنية الاتصالات وتواصل العالم مع الحدث بصوره وحقائقه، أن جعل أمريكا سبباً مباشراً في تصاعد الحروب ونشوء العلاقات غير المتوازنة، بل إلى تطابق المواقف بينها وبين إسرائيل، وغرور القوة، أعطت رأياً عاماً عالمياً بأن التعدي على حقوق وأمن الآخرين عقدة أمريكية لا تشفى منها إلا بتناقص أدوارها..
للفلسطينيين أخطاء لكنها تأتي بسبب مواجهات أكبر من إمكاناتهم وحجمهم، لكن أخطاء إسرائيل الأكبر والأعنف، وقد قلنا مراراً إن كل الحلول تمر من خلال القدس وليس من أي مدينة، أو عاصمة عربية، أو عالمية، لكن الإقرار بالواقع وحقائقه ظل مغيباً، وحين أصبحت المنطقة كلها مركز تفاعل للإرهابيين، والقوى الغازية، والمستوطنة، وجعلها حقل تجارب للأسلحة والسياسات ومحاولات لخلق حروب الطوائف والقوميات والمذاهب، لصالح الاستراتيجية العليا لإسرائيل، عكست المؤشرات تلك الاتجاهات لأن يكون الإرهاب عملا بديلا كنتاج لتلك السياسات، وهنا لا بد من عقل يتجاوز الغطرسة، وعلى أمريكا، تحديداً أن تفهم أن كل البيوت من زجاج..