بعد فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية مجلسي الكونغرس في الانتخابات الأخيرة، وفي ضوء تصاعد أعمال العنف في العراق وتزايد أعداد القتلى بين الجنود الأميركيين، اضطر الرئيس بوش إلى تغيير موقفه من الحرب، وإبداء استعداده لسماع أية مقترحات جديدة، ما عدا الدعوة للانسحاب الفوري من العراق.
وهذا يفتح المجال للأطراف المعنية، العربية وغير العربية، لإبداء آرائها وتقديم ما تراه مناسباً من مقترحات للإسهام في حل الأزمة العراقية. ولقد كان توني بلير أول من أدلى بدلوه في هذا الموضوع، حيث طالب بخطة سياسية تتعامل مع المنطقة بأسرها، وتشرك كل الأطراف المعنية في المداولات الرامية لحل المشكلة العراقية والفلسطينية وغيرها من مشكلات إقليمية.
وحيث أن الدول العربية عانت على مدى عقود، ولا تزال تعاني، من استمرار الصراع العربي ـ الإسرائيلي وتصاعد حدة الأزمة العراقية وتبعاتها السياسية والإنسانية، فإن من واجب العرب الإسهام في المداولات الجارية اليوم قبل أن يتخذ الرئيس الأميركي قراراته الجديدة بشأن المشكلة العراقية.
إن من شأن التوصل لحل للقضية الفلسطينية أو الأزمة العراقية أن يعود على الدول وأنظمة الحكم فيها بفوائد كثيرة، وأن استمرار الأزمتين من شأنه الإسهام في زيادة حدة التطرف الديني، وتنامي إعداد ونشاطات الخلايا الإرهابية، وإضعاف عوامل الاستقرار السياسية والاقتصادية، وتقويض مصداقية أنظمة الحكم والنخب السياسية والاقتصادية المهيمنة. وفي حالة دخول العراق في حرب أهلية، فإنه لن يكون بإمكان أي من الدول العربية المجاورة تجنب التورط في تلك الحرب بشكل أو بآخر، مما يهدد بتوسعة نطاق الصراع إلى حرب إقليمية.
إن دخول العراق في حرب أهلية سوف يكلف العراقيين ملايين الضحايا ومئات المليارات من الدولارات، وسيفتح المجال لتدخل العديد من الدول العربية والإقليمية والأجنبية في الشؤون العراقية. وهذا من شأنه أن يحرم العراقيين، من الحرية والاستقلال لعقود طويلة. ويشير تاريخ الصراعات الإثنية والطائفية إلى أنها قد تستمر لعشر سنوات أو أكثر، وأنها تتسبب عادة في مقتل حوالي 10% من السكان، وأنها تنتهي في غالبية الأحيان حين تصل كل أطراف النزاع إلى حالة من الإنهاك واليأس بإمكانية حسم الصراع لصالحها.
ولما كانت الحرب الأهلية العراقية في حالة حدوثها ستكون حربا دينية طائفية وحربا إثنية سياسية في آن واحد، فإن من المتوقع أن تكون أكثر عنفاً وضراوة، وربما وحشية من غيرها من حروب مماثلة. وحيث أن هدف الأكراد هو إقامة دولة كردية ذات سيادة، وهو هدف تعارضه كل الدول المحيطة بالعراق، خاصة تركيا وإيران، فإن تدخل تلك الدول سيكون حتمياً، مما سيحول الصراع إلى حرب إقليمية.
من ناحية أخرى، وحيث أن هدف الشيعة والسنة هو السيطرة على الحكم في العراق، فإنه سيكون من الصعب على الدول العربية المجاورة القبول بسيطرة شيعية، خاصة في ضوء اتهامهم بالتبعية لإيران، وأن من الأصعب على إيران القبول بسيطرة سنية والعودة إلى نظام حكم شبيه بنظام صدام حسين السابق. وهذا يعني أنه لن يكون من السهل على أية دولة عربية أن تنجو من تبعات كارثة حرب أهلية عراقية.
ولهذا اقترح خطة سياسية قد يكون بإمكانها التعامل مع الأزمة العراقية، يمكن للعرب التحرك على أساسها محاولين التأثير في الموقف الأميركي والبريطاني في هذه المرحلة الحساسة من التفكير والإعداد لخطة أميركية جديدة بشأن العراق. ومن أجل قبول الحكومة العراقية والإدارة الأميركية بالخطة المقترحة،
لا بد من اعتراف الطرفين بأن قوات الشرطة التي تم تدريبها وقوات الجيش التي تم تجنيدها لا تتحلى بالمهنية المطلوبة ولا بالوطنية الكافية للدفاع عن الوطن وحماية أمن المواطنين، وأن انتماءاتها الطائفية أقوى بكثير من انتماءاته الوطنية، وأن الانتماءات الاثنية والطائفية تتعارض عادة مع الانتماءات الوطنية. وتقوم الخطة المقترجة أساساً على ما يلي:
1ـ تشجيع الحكومة العراقية على الإسراع في تنفيذ خطتها الرامية إلى إعادة غالبية موظفي الدولة إلى وظائفهم، بعد أن قام الاحتلال بطردهم منها.
2 ـ الدعوة إلى مؤتمر مصالحة ووفاق وطني، يتيح لكل الأطراف في الحكومة والمعارضة والمقاومة العمل معاً من أجل بناء عراق جديد، موحد ومستقل.
3ـ إقناع الحكومة الأميركية بزيادة عدد قواتها العسكرية في العراق بما لا يقل عن خمسين ألف جندي فوراً، والعمل بجدية على استعادة الأمن في بغداد بالسرعة الممكنة، والانتقال بعد ذلك إلى المناطق الأخرى، وذلك لأنه دون استتباب الأمن لن يكون بالإمكان قيام الموظفين بمهامهم، ولا معاودة عمليات البناء والتنمية، ولا محاسبة الفاسدين.
4ـ إقناع كل من الحكومة العراقية الحالية والإدارة الأميركية باستدعاء أفراد الجيش العراقي الذي تم حله وتسريح أفراده بعد الاحتلال مباشرة، واختيار ما لا يقل عن 000,200 جندي وضابط منهم للخدمة في الجيش العراقي الجديد، والقيام برفع مستوى تدريبهم وتسليحهم ووضعهم تحت سيطرة قيادة وطنية.
5- استدعاء معظم رجال الشرطة العراقية التي حلها الاحتلال الأميركي، وإعادة تدريبها وتأهيلها للمشاركة في تحمل المسؤوليات الأمنية في البلاد.
6ـ التزام الدول العربية النفطية بتقديم الدعم المالي المطلوب على قدم المساواة مع أميركا والاتحاد الأوروبي وغيرها من دول لإعادة بناء العراق وتأهيله للقيام بدوره الإقليمي كدولة مسالمة ومستقرة في المنطقة العربية.
7ـ التزام أميركا بسحب قواتها العسكرية من العراق حال استتباب الأمن والاستقرار في البلاد .
إن أفراد الجيش القديم يتمتعون، ودون سواهم، بالمهنية العسكرية، وتربوا على حب الوطن والتفاني في خدمته والدفاع عنه، وإن الجيش لا يزيد على كونه آلة حربية تعمل بإرادة من يديرها، مما يعني أن التحكم في قيادة الجيش سيضمن عدم خروج جنوده عن الأوامر الصادرة لهم. إلى جانب ذلك، من المؤكد أن تؤدي إعادة غالبية الجيش القديم للخدمة إلى إضعاف المقاومة المسلحة، لأن الكثير منهم أما ناشطون في تلك المقاومة أو متعاطفون معها ويمدونها بمساعدات لوجستية مهمة، كما أنهم يعرفون عنها وعن أسرارها وأماكن تواجدهم الكثير.
أكاديمي أميركي من أصل عربي
proffesorrabie@yahoo.com
