الأطراف الفلسطينية، سلطة وحكومة وتنظيمات، توصلت إلى اتفاق حول وقف إطلاق النار مع إسرائيل لتعزيز الالتزام به وضبطه؛ ثم نشر 13 ألفاً من أفراد قوى الأمن الفلسطيني على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل. فسحة رأى فيها كل فريق ما يحقق له مصلحة راهنة. بالنسبة للفلسطينيين، تمثل «التهدئة» وضع حدّ، ولو مؤقت، للعدوان الإسرائيلي المتواصل منذ أشهر عليهم.

بالنسبة لإسرائيل توفر «الهدنة» خلاصاً من إطلاق الصواريخ الفلسطينية على المستوطنات القريبة من غزة. وربما مدخلاً لبحث موضوع الأسير جلعاد واستبداله بأسرى فلسطينيين، وبذلك تقاطعت المصالح وحصل القبول المتبادل بوقف النار، يصمد أو لا يصمد، هذه مسألة أخرى، لكنه يطرح تساؤلا مشروعا وملحاً: إذا كان التوافق ولو العابر أو الجانبي أو التكتيكي، أمراً ممكن الحصول مع العدو والمحتل؛ فلماذا يبقى متعثراً بين أصحاب الصف الفلسطيني الواحد المستهدف بكل مكوناته وأطيافه؟

لقد كانت مفارقة صارخة أن يتم الإعلان عن هذا الاتفاق في الوقت الذي تواصلت فيه حرب الاتهامات ـ ولو الخفيفة قياساً على السابق ـ بين «فتح» و «حماس». ومعظمها يدور حول العراقيل «المفتعلة» التي تواجهها محاولات بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، التي يبدو أن بلوغها صار أصعب من بلوغ نجوم السماء!.

ومن دون الدخول في التفاصيل وعملية توزيع الملامة، بهذا الاتجاه أو ذاك؛ يمكن القول ومن غير مجازفة إن الجميع منغمس بلعبة المناورات والمناورات المضادة، وهي لعبة مشروعة ومن طبيعة العمل السياسي.

لكن العلّة هنا أن أطرافها باتوا أسرى لها؛ وفي ظرف لا يسمح بالتمادي فيها ونسيان وجوب تقديم الأولويات الأخرى عليها.

وفي طليعة هذه الأولويات، التوصل إلى توافق وطني، بالحد الأدنى على الأقل، يتمثل في حكومة ائتلافية يدرك الجميع أنها باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل ولا غنى عنها.

ألا يقال إن «للظروف أحكاما»؟

وإذا كان ذلك صحيحاً وثابتاً بتجربة التاريخ، فلماذا لا يجري العمل بهذه القاعدة التي تفترض القبول بالخروج عن الدارج والمألوف؟

لقد بات واضحاً أن الحصار الجائر المضروب على الوضع الفلسطيني وبالاستتباع على الشعب الفلسطيني ـ الذي يتحمل الأعباء ويدفع الثمن بالنهاية ـ تسبب في إلحاق بالغ الأذى، بهذه الساحة. كما بات من الواضح، إدراك جميع الأطراف الفلسطينية لأهمية وضرورة الإسراع في فك هذا الحصار؛ وكذلك لحقيقة أن المفتاح يكمن في الوصول إلى حكومة ائتلافية ببرنامج الحد الأدنى.

الباقي، أي الترجمة لمثل هذا الإدراك، ينبغي أن يأتي من باب تحصيل الحاصل، والمحيّر أن المطلوب لا يزال محجورا عليه، وكأن هناك لغزا أو أحجية، تعذر فك طلاسمها، لكن الذي لا يجوز استمراره هو أن يكون بلوغ تلاقٍ عسكري فلسطيني ـ اسرائيلي، حتى آني وجزئي أهون من بلوغ تلاقٍ سياسي فلسطيني ـ فلسطيني، ومن الصنف الحيوي؛ في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ القضية.

لعلّ «الهدنة» أو «التهدئة» التي التقى حولها الجانبان ـ والتي من المؤكد أن تطيح بها إسرائيل في لحظة قريبة ملائمة ـ من شأنها أن تضغط باتجاه حسم موضوع الوحدة الحكومية الفلسطينية. فالتأجيل يكون مفهوماً بعد الآن