نذر الحرب الأهلية بالعراق تزداد وضوحا، ومع ذلك تظل الجهود المبذولة لوقفها سواء من قبل حكومة بغداد أو قوات الاحتلال الأميركي، بعيدة تماما عن المطلوب، وربما سببا في تفاقم الكارثة.

الحكومة العراقية التي فاجأت العالم قبل أسبوع بإصدار أمر توقيف (قيل لاحقا إنه مجرد مذكرة تحقيق) بحق أمين عام هيئة علماء المسلمين الشيخ حارث الضاري، ركزت على المواجهة الأمنية للأحداث ذات الصبغة الطائفية، فحظرت التجول في بغداد، وفرضت إجراءات صارمة في مناطق التماس السني الشيعي، غير أن ذلك لم يوقف إطلاق الصواريخ من أحياء على أحياء أخرى، ولم يمنع هجمات المسلحين وبالذات المنتمين لبعض الميليشيات على المساجد ودور العبادة، ما يعني أن الحاجة باتت ملحة لاستخدام أساليب جديدة، تثبت جدية هذه الحكومة في مكافحة التطرف المذهبي لدى طرفي النزاع.

أهم تلك الوسائل تتمثل في: الحزم والحياد عند تطبيق القانون، ورعاية عملية تقارب سياسي جاد بين قادة الجانبين، فضلا عن ضرورة طرح القضايا الخلافية التي ساهمت في تأجيج الوضع الحالي لنقاش شفاف وديموقراطي.

وعلى ما يبدو للمتابع، فإن مبدأ الفدرالية الذي حظي بموافقة البرلمان، مدفوعا بالتحالف بين قائمة الائتلاف العراقي الموحد والقائمة الكردية، يمثل أبرز القضايا التي تحتاج لإعادة مناقشة، ذلك أن إقرار هذا المبدأ، كان من بين الأسباب الرئيسة التي دفعت قطاعات عريضة من الشارع السني للشعور باليأس تجاه العملية السياسة، والتي بدت (في نظر هؤلاء على الأقل) مجرد وسيلة يستغلها أصحاب الأغلبية لتمرير القوانين التي تخدم مشاريعهم المستقبلية، دون أدنى اعتبار لمصالح واحتياجات الآخرين، وبالذات أبناء المناطق الوسطى من البلاد، المهددين حاليا بفقدان أي منفذ بحري، وبالحرمان من موارد النفط.

أما قوات الاحتلال، فيبدو أنها لم تعد مشغولة بقضية مستقبل العراق، مقارنة باستغراقها في البحث عن مخرج لنفسها من ورطتها العسكرية، وربما كان ذلك هو السبب وراء تجاهل البيت الأبيض للأبعاد الطائفية لأحداث الأيام الماضية، مقابل تأكيده على أنها تعكس محاولة لإسقاط الحكومة، وذلك بالتزامن مع تزايد الحديث في واشنطن عن إمكانية قيام الولايات المتحدة خلال العام المقبل بسحب قواتها، وهو أمر من شأنه (في هذا التوقيت بالذات) أن يفاقم من المحنة بدلا من تخفيفها، سيما وأن الطائفية تمكنت من اختراق أجهزة الدولة العراقية.

لقد حملت قوات الاحتلال نفسها، عند غزو العراق، مسؤولية إقامة الديموقراطية، وإنشاء نظام حديث قادر على تجاوز الخلافات المذهبية، والثارات التاريخية، لكنها لم تحقق أيا من الهدفين، بل إنها أعادت العراق قرونا للوراء، وساهمت في التأسيس لنظام سياسي قائم على قواعد طائفية، ما يعطي المجتمع الدولي، الذي رفض في السابق الغزو والاحتلال، حق محاسبتها، وقبله حق وضع آلية جديدة، تحظى بقبول العراقيين والعرب، لوقف التدهور الحاصل في هذا البلد.

إن مصير العراق يتوقف على قدرة الحكومة العراقية الخالية على مواجهة أخطاء المرحلة السابقة من جهة، وعلى جرأة الاحتلال في الاعتراف بإخفاقاته، ومن ثم إعطاء الأسرة الدولية، وفي طليعتها المجموعة العربية، حرية وضع وتطبيق تصور جديد لوقف التدهور الراهن، والخروج بالعراق إلى بر الأمان.