تبعث التصريحات التي أدلى بها الملك عبدالله الثاني بن الحسين لشبكة الاخبار الاميركية على التفكير العميق بخطورة ما حذّر منه جلالته من إمكانية وقوع حروب أهلية على الساحتين الفلسطينية واللبنانية كما هو الحال على الساحة العراقية، خاصة وان طبيعة الخلافات القائمة على تلك الساحات تضعنا امام الاحتمالات السيئة ما لم يحدث تغيير جذري في مجرى الاحداث كأن تتمكن الاطراف الدولية من فرض حل سلمي للصراع العربي الاسرائيلي ومنح الشعب الفلسطيني دولته المستقلة على أرضه.

تأكيد الملك على ان القضية الفلسطينية هي اساس المشكلة في المنطقة قد لا يكون مفهوما للشعب الاميركي الذي يرى في وجود جنوده في العراق المشكلة الاهم بالنسبة له ، لأنه لا يدرك العلاقة بين كل تلك القضايا التي تتأثر بالابعاد العاطفية والدينية والثقافية الناجمة عن الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية بما فيها القدس ، وبالتالي دخول العالمين العربي والاسلامي في حلبة الصراع بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ورفع شعارات من خارج الدول المعنية بالصراع لا يمكن التقليل من تأثيرها ما دامت القضية الفلسطينية من دون حل عادل.

ضمن التوقعات التي اشار إليها الملك فنحن امام موعد وراء الابواب ، انه يتحدث عن عام 2007 محاولا بذلك لفت الانتباه الى ان الاخطار التي يحذّر من وقوعها يمكن رؤيتها على ارض الواقع بصورة أو اخرى، فالمجازر بين الشيعة والسنة وتقسيم العراق التي نراها اليوم كانت في السابق مجرد احتمالات حذر منها الملك اثر الاحتلال الاجنبي.

والآن فإن السياق العام لمجرى الاحداث في لبنان اثر الحرب الاخيرة في جنوب لبنان ، والخلافات القائمة بين القيادات الفلسطينية تقف على مفترق طرق من بينها طريق يؤدي الى حرب اهلية، وبالتالي فإن دعوة الملك الى وضع استراتيجية لجمع الاطراف المختلفة في العراق على مشروع لوقف تلك الحرب في هذه المرحلة امر يجب ان نقترح له بداية في اللقاء المنتظر بين الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء العراقي في ضيافة الملك.

وفي المقابل يمكن العمل على منع وقوع الاحتمال الاسوأ بالنسبة للفلسطينيين واللبنانيين من خلال البدء بعملية سلام تنهي الاحتلال الاسرائيلي لجميع الاراضي العربية المحتلة، وإذا كان هناك من يسأل ما اهمية اسرائيل للسلام ما دامت الاطراف العربية الاخرى منشغلة في حروب أهلية فإن الجواب البسيط هو ان نتائج تلك الحروب ستخلق واقعا تدميريا لن تنجو منه كل دول المنطقة بما فيها اسرائيل والمصالح الاميركية ايضا والأمن والاستقرار الاقليمي والدولي كذلك.

من هذه الزاوية يرى الملك ما لا تريد بعض القوى أن تراه أو لا تعرف كيف تراه، فالقضية الفلسطينية بما تمثله من ظلم تاريخي والاعتداءات والمجازر التي ترتكبها قوات الاحتلال الاسرائيلية بالاضافة إلى عنجهية القوة بما يخلفه من شعور بالمهانة لدى الشعوب العربية والاسلامية تشكل المحرك الرئيسي لردود الافعال التي يتم التعبير عنها من دول ومن منظمات مسلحة وسط مشاعر الحقد والكراهية واليأس ، وحتى تلك الحروب التي يحذّر منها الملك لن تكون بعيدة في نتائجها وتأثيراتها على مجمل الوضع في المنطقة بما قد يؤدي الى خروج الاوضاع عن السيطرة ، وعندها سيفهم العالم معنى ما قاله الملك في تصريحات لا مثيل لها من الدقة والصراحة والوضوح.