إضافة إلى الفظاظة والخشونة والبُعد عن اللباقة والكياسة والدبلوماسية، فقد عرف جون بولتون، مندوب الولايات المتحدة الأميركية في المنظمة الدولية، بانتقاداته اللاذعة للأمم المتحدة ومهماتها ومواقفها، ولاسيّما القرارات المتّخذة في الجمعية العامة للأمم المتحدة (بوصفها برلمان الشعوب والأمم). لكنّ أكثر ما اشتهر به بولتون هو تعصّبه الشّديد لـ«إسرائيل»، إلى درجة أن المندوب الصهيوني في الأمم المتحدة وصفه بـ«العضو غير الرسمي في الوفد الإسرائيلي» هناك!!.

ومقابل هذا «العشق» الاستثنائي للعنصريين الصهاينة، والدفاع المستميت عن سياسات «إسرائيل» التوسعيّة وعدوانها الدائم وإرهابها السافر ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني، لا يستطيع بولتون إخفاء كراهيته الإيديولوجية والفكرية والنفسية للعرب والمسلمين عموماً وللسوريين والفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين على وجه التخصيص. وقد تحوّلت كراهيته هذه إلى حالة من «الفوبيا» أو «الوسواس القهري»، الذي يتجسّـد عبر تصريحات عنيفة وعبارات نابية هي أقرب إلى الشتائم البذيئة، ولا تمتّ إلى التحليل والعقلانية والتوازن بأيّ صلة.

فما إن يُسأل عن رأيه بحدث ما، أو موقف أو خبر في المنطقة العربية حتى يُسارع لممارسة هوايته المَرَضية بقذف توصيفاته الكريهة ومصطلحاته الخارجة عن الأصول واللياقة والأعراف والتربية ضدّ سورية وإيران «وحزب الله» و«حماس» وكل من لا يعجب «صُنّاع الشر» من غلاة «المحافظين الجدد» والمتصهينين. ‏

أمّا «يوم المنى» أو العيد الأعظم لدى بولتون، فهو عندما تُطرح في مجلس الأمن مسألة تتعلّق بطلب لـ«أصدقائه» «أشباه المحافظين الجدد» من الفئة «الشباطية» المتحكمة في السلطة اللبنانية الحالية. إذ إنّها المجموعة الوحيدة، التي تطرب لها أحاسيس بولتون العنصرية، وتنفتح تجاهها مشاعره الدفينة و«بكائياته» التمساحية على «الديمقراطية الوليدة» و«شهداء الاستقلال الجديد»!! ‏

وكعربون«للمحبة» الروحية بين الطرفين، وتعبيراً عن«الإعجاب» المتبادل بينهما، ‏

«تعهد» بولتون بـ«الرعاية» الأبوية والإكراهية لجميع القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي بدءاً من القرار/1559/ وانتهاءً بإقرار مشروع المحكمة ذات الطابع الدولي بعد اغتيال بيار الجميل مباشرة. ‏

وسبحان«المُسهِّل» و«ميسّر كل أمر عسير» فكلما «استعصت» قضية أو تعسّر إخراجها كما يريد أتباع بولتون في مجلس الأمن وضاقت السُبل بـ«العرّاب» الأميركي هناك ، جاء «الفرج والمدد» سريعاً من بيروت. وهكذا شهد العالم كلّه التزامن«العجائبي» في زمن ندرت فيه المعجزات بين اغتيالات سياسية واجتماعات مجلس الأمن ومن ثم قرارات جاهزة ومسبقة الصنع. ‏

وهو التكتيك المبرمج الذي ينتظره أو يأمر به الغراب الناعق في مجلس الأمن (وليس حمامة السلام أبداً)، جون بولتون. ‏

ومن أراد أن يطلع على «معلّقات» الأخير في مدح جماعة 14 شباط و«بطولاتها الديمقراطية» و«تحركاتها الاستقلالية الرائدة».. في سياق ما سمّي «ثورة الأرز» فما عليه سوى العودة إلى وقائع الحفل، الذي جرى في «نيويورك» بمناسبة تقليد الأتباع لمعلمهم بولتون وسام الأرز اللبناني «تقديراً لمواقفه العظيمة في دعم حرية لبنان واستقلاله وسيادته الكاملة»!!. ‏

لقد أصيب بولتون بحالة هستيرية خطيرة في أثناء تصدي المقاومة الوطنية اللبنانية البطولي للعدوان الصهيوني الشامل ضدّ لبنان بالتنسيق التام مع الولايات المتحدة.. وطار لبّه بسبب الانتصار العظيم للمقاومة الباسلة. وبدأ الإلحاح يومياً على أتباعه في لبنان للاستعجال بالتخلّص من سلاح المقاومة، واستئصالها من جذورها، تنفيذاً لاستراتيجية لم يتمكّن الجيش الصهيوني من تحقيقها بعدوانه المباشر..

لكن ذلك الأمر كان خارج استطاعتهم وأكبر من قدراتهم، فلجؤوا إلى الاستعانة بقصة المحكمة ذات الطابع الدولي، متّكلين على الدعم المطلق من صديقهم ومَثَلهم الأعلى بالعنصرية والحقد والكراهية والتعصّب ـ جون بولتون. ‏

ولما تعثرت المسألة في مجلس الأمن الدولي حلّتها «الأيدي الخفية» باغتيال بيار الجميل، تماماً كما حصل في أثناء مناقشات مجلس الأمن المتزامنة أو المستكملة بسيناريو اغتيال جبران تويني في 12 كانون الأول 2005 بغية الحسم في إصدار القرار الدولي «اللازم.». الأمر الذي لم يعد سرّاً، وإنما أشار إليه محللون كثيرون ولا يحتاج الى «شارلوك هولمز» حتى يتم كشف خيوطه وملابساته واستهدافاته. ‏

ولاشكّ أنّ «العراب» بولتون ومريديه من جماعة الرابع عشر من شباط يعملون في إطار متناغم وجهود منسقة، إن لم نقل ضمن عمل استراتيجي واحد لتحقيق جملة من الأهداف والتوجهات المشتركة أو المتقاطعة في نقاط ومفاصل كثيرة وعديدة. ‏

ورغم ذلك كلّه، فإنّ ما يدعو إلى الطمأنينة أنّ الأمور بدأت تتضح شيئاً فشيئاً، وأن الجريمة الأخيرة كشفت حقيقة اللعبة واللاعبين، وأن الشارع اللبناني ومعه الرأي العام العربي والإسلامي اليوم بمنتهى اليقظة والمتابعة الدقيقة لتخبط الإدارة الأميركية وفشل مخططاتها، وانكفائها المتوقّع والقريب، ووصول الايديولوجية الصهيونية التوسعية وأذرعها الرّادعة إلى طريق مسدود، في موازاة هجرة معاكسة متعاظمة من الكيان الصهيوني إلى الخارج.. الأمر الذي ستكون له مفاعيله الكبيرة والمؤكّدة على الأتباع الصغار والوكلاء المحليين من دُعاة الفيدراليات والكانتونات والتقسيمات الطائفية والمذهبية والفتن الأهلية. ‏

وإذا كانت «القابلة» كوندوليزا رايس ومعها «عرّاب» جماعة 14 شباط جون بولتون قد استعجلا في الثالث عشر من تموز الماضي بإعلانهما «ولادة الشرق الأوسط الجديد» من رحم لبنان، بالتواطؤ مع منتهكي الحرمات والمحرّمات الوطنية والقومية، المستقوين بفيلتمان وأضرابه من الممثلين للانتداب الاستعماري الجديد.. فإن الشعب اللبناني بفضل مقاومته العظيمة، ووعيه الكبير، وصموده الاسطوري، ووحدة قواه الوطنية والشعبية كافة، استطاع تعرية هذا «الحَمْل الكاذب» وإجهاضه وتمزيق أوصاله..

ونحن على ثقة مطلقة بأن هذا الشعب قادر على تحطيم جميع المؤامرات والمخططات، الهادفة إلى إشعال الفتنة الأهلية، وإبعاد لبنان عن محيطه العربي، وتوجيهه باتجاهات لا تخدم سوى أعداء الأمة وهويتها وحضارتها وتاريخها ومستقبلها المشترك.‏