في عام 1990 أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريره السنوي الأول عن التنمية البشرية. وفيه كتب محبوب الحق: «إن الهدف الأساسي للتنمية هو إيجاد بيئة مواتية يتمتع فيها الناس بحياة طويلة ينعمون خلالها بالصحة والقدرة على الإبداع». تقرير هذا العام 2006 يستعيد رؤية محبوب ليقول بعد مرور ستة عشر عاما إن رنينها يظل قويا.

ماذا حققت التنمية للإنسان؟ من هذا المنظور تقرأ تقارير التنمية البشرية الواقع الاقتصادي الاجتماعي في العالم وكل من بلدانه على حدة. وحسب موقع كل بلد في المؤشر الذي تشكل قيمته المطلقة واحدا صحيحا يتم تصنيفه ضمن واحد من مجموعات ثلاث: تنمية بشرية مرتفعة عندما يبلغ المؤشر 800, 0 فأكثر، متوسطة ( 500,0 - 779, 0) ومنخفضة عندما يقل عن 500 ,0.

في منتصف يونيو الماضي جاء في كلمة أمين عام مجلس التعاون الخليجي للجنة الوزارية للتخطيط والتنمية «أن تقارير التنمية البشرية الدولية صنفت دول المجلس منذ عام 1991 ضمن الدول ذات التنمية البشرية العالية، لكنه أشار إلى عدم ثبات ترتيب دول المجلس في تقارير التنمية الدولية، بل إن هناك تذبذبا وحتى تراجعا ».

هذه المرة احتلت الكويت المرتبة 33 عالميا والأولى عربيا، والبحرين 39 عالميا والثانية عربيا. بينما في عام 2004 احتلت البحرين المرتبة الأربعين، لكن الأولى عربيا !

نريد من ذلك القول إن المرتبة بحد ذاتها، وإن عنت شيئا، لكنه ليس بالكثير. سويسرا معروفة بنظامها المتطور واستقرار مؤشراتها المرتفعة، لكنها تراجعت مرتين في التصنيف العالمي. أما البحرين فقد سجلت دينامية متصاعدة في المؤشرات المركبة الأساسية من 839 ,0 إلى 849 ,0 ثم 859,0 للأعوام 2003، 2005 و2006 على التوالي.

هذه الدينامية هي الأصدق تعبيرا عن التطور الحاصل في جانب التنمية البشرية. حدث ذلك لعدة أسباب: ارتفاع أسعار النفط باطراد، دخول البلاد حالة الاستقرار السياسي والتوجه نحو سياسات اجتماعية أفضل.

كل ذلك قد يوحي بالتساؤل: إذا كان الأمر كذلك، فأين تكمن ضرورات الإصلاحات الاقتصادية الاجتماعية، عدا السياسية؟

في وقت سابق احتلت البحرين مكانتها المتقدمة في التقرير بفضل مؤشر التعليم، وتحديدا الإنفاق على التعليم. ومع ذلك فإن هذا لم يضعف الدعوة إلى إصلاح التعليم في البحرين.

وفي ورشة العمل التي دعا إليها ولي عهد البحرين لتقييم واقع نظام التعليم والتدريب وانعكاساته على مهارات مخرجات التعليم الداخلة إلى سوق العمل وإنتاجيتها وتنافسيتها لم يعمد الكثيرون إلى إخفاء العيوب الكبيرة التي يعاني منها نظام التعليم في البحرين في مراحله المختلفة.

وكمثال على الخلل في التعليم الثانوي أن 20% فقط من خريجي المدارس الثانوية يتجهون إلى كليات ومعاهد التدريب على المهارات المهنية. بينما تشكل هذه النسبة في كل من كاليفورنيا، هونج كونج وسنغافورة 42%، 75% و80% على التوالي! أي أن الوضع تماما عكس ما هو في سنغافورة التي يطمح كثير من مسؤولينا إلى التشبه بها.

في تقرير هذا العام احتلت البحرين مكانتها المتقدمة بفضل ارتفاع معدلات الدخل. ويستخدم التقرير نفس تصنيفات البنك الدولي الخاصة بالدخل (نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي)، حيث تعتبر الدول مرتفعة الدخل عندما يساوي الدخل السنوي 10066 دولارا أو يزيد (2004)، متوسطة (من 826 إلى 10065) ومنخفضة الدخل عندما يساوي أو يقل عن 825 دولارا.

وأشار التقرير إلى أن متوسط دخل الفرد في البحرين يقدر بحوالي 21 ألفا و700 دولار في العام، أي قرابة 680 دينارا في الشهر. وهو من المعدلات المرتفعة جدا على المستوى العالمي. وطبيعي أن الأجور تشكل الجزء الأكبر في نظام توزيع الدخل الوطني.

وإذا كان الحديث يجري عن متوسطات بشكل عام فإن التقرير يركز من الناحية الاجتماعية على التفاوت بين فئات الدخل سواء على المستوى العالمي (500 عائلة يحققون دخلا يزيد على دخل أكثر من 400 مليون نسمة) أو ضمن البلد الواحد، حيث في البحرين يشكل متوسط الأجر الشهري للرجل 912 دينارا، أما للمرأة فأقل من ثلث ذلك المبلغ 5 ,302 دينار فقط. وفي هذا يتبين التمييز المجحف بين الجنسين الذي يحتاج إلى نضال دؤوب من أجل تقليصه ثم إزالته.

أما إذا هبطنا من حسابات المتوسطات إلى واقع فوارق الأجور فسنشهد لوحة أكثر إجحافا في تفاوت توزيع الدخول. يكفي هنا أن نشير إلى أن أكثر بكثير من 30 ألفا ممن يعملون لدى القطاع الخاص يتقاضون أجورا تقل عن 200 دينار شهريا. وإذا ما قرنا هذه الظاهرة بظواهر البطالة والبطالة المقنعة ومعاشات التقاعد المتدنية وأوضاع كثير من كبار السن.. إلخ، سنجد أن هناك حاجة ماسة لدراسة تفاوت الدخول وحالة الفقر بالجدية اللازمة.

كما تطرح نفسها بإلحاح ضرورة إعداد وتفعيل استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر تتوافق وبرنامج الأمم المتحدة لتقليص الفقر بنسبة 50% حتى عام 2015. ولا تبدو البحرين خارج دائرة ما يشير إليه التقرير من أن الدول العربية إجمالا «ستتأخر 27 عاما عن الموعد المستهدف».

يشيد التقرير بالصين والهند اذ استطاعتا جعل زيادة النمو الاقتصادي العامل الأكثر فعالية في خفض معدل الفقر. وفي مشكلة المياه التي يطرحها التقرير بأبعادها العالمية وببعدها البحريني أيضا، فإن لنا أن نجد في ذلك دافعا ليس فقط لحل مشكلة المياه، بل ومدخلا لحل مشكلة الفقر اعتمادا على قاعدة النمو الاقتصادي المطرد بمعزل عن ارتفاع أو انخفاض أسعار النفط.الاستثمارات في المياه تصنف عالميا على أنها ذات مردود عال بنسبة 1: 8.

وفي منطقة الخليج تتركز 50% من أعمال تحلية المياه في العالم، وسيستثمر فيها قرابة 30 مليار دولار حتى 2025. وتنوي شركة تابعة لبيت التمويل الكويتي استثمار 80 مليون دولار في قطاع المياه البحريني. وتدخل النانوتكنولوجيا (التكنولوجيات المصغرة) في تحلية المياه كواحدة من أرقى تكنولوجيات الاقتصاد الجديد واقتصاد المعرفة.

وينصح تيم هاربر، مؤسس شركة «ساينتفيكا» اللندنية البحثية، بأنه «لا يمكن للدول الصغيرة أن تؤمل على مجاراة أميركا واليابان والاتحاد الأوروبي في أحجام نفقات التطوير في مجال النانوتكنولوجيا. لكنها يمكن أن تصبح رائدة في اتجاهات محددة من النانوتكنولوجيا بتركيزها على حل مسائل معقدة وملحة في مجالات إسالة المياه والطاقة مثلا».

وهكذا أمامنا مثال من مقومات إعادة بناء الاقتصاد الوطني بإدخال قطاعات جديدة منتجة فيه تساهم في توفير فرص عمل راقية وأجر أعلى تساهم في زيادة الدخل وخفض مستوى الفقر. وعلى نفس المنوال يمكن تناول صناعات الأدوية والعلاج باستخدامات التكنولوجيات الحيوية المصغرة (البايو- نانو تكنولوجي).

وفي هذا الصدد يمكن أن يلعب القطاع الخاص دورا إيجابيا للغاية، لكن تقرير التنمية البشرية يؤكد «الحرص على وضع نقاط مرجعية واضحة في عقود الشراكات بين القطاع العام والقطاع الخاص للوقوف على مدى المساواة في إتاحة مصادر المياه بسعر مناسب للأسر الفقيرة». كما يؤكد على مبدأ مهم هو «ترسيخ حقوق الأسر الفقيرة في المياه والأرض».

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com