كانت الدراما وستبقى محل جدل وخلاف واتفاق على دورها في التغيير داخل المجتمع ومدى نقلها للواقع أو نقده. لكن الذي لا يختلف عليه أحد هو التأثير الذي يمكن أن تتركه بغض النظر عن حجمه، لكونها واحدة من أهم أشكال الفن المرئي جمعا بين الترفيه والتوجيه غير المباشر.

من هنا اكتسبت الدراما أهمية خاصة لارتباط المشاهد بها وبالشخصيات التي يتفاعل معها سلبا أو إيجابا، إلى الدرجة التي أصبحت معها بعض الشخصيات التي جسدتها الأفلام والمسلسلات التليفزيونية رموزا وأنماطا اجتماعية، كشخصية (سي السيد) و(أمينة) في ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة.

وشخصيتي (عتريس) و(فؤادة) في فيلم «شيء من الخوف» الذي كتب قصته ثروت أباظة وأخرجه حسين كمال عام 1969 عندما أصبحت العبارة التي اشتهر بها الفيلم (زواج عتريس من فؤادة باطل) شعارا لرفض الظلم والواقع، إلى الدرجة التي جعلت الرقابة المصرية تتحفظ على الفيلم قبل عرضه خشية أن يحمل إسقاطات على واقع مصر السياسي في تلك المرحلة، ولم يسمح بعرضه للجمهور إلا بعد أن شاهده الرئيس جمال عبدالناصر بنفسه في عرض خاص فأجازه.

ومع كل هذه الأهمية التي تمتعت بها الدراما وفن التمثيل بشكل عام، في مجالات السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون، فإن تناول الشخصيات الدينية ظل موضع تحفظ ربما بلغ درجة الخوف لدى البعض، إما لوضع ومكانة هذه الشخصيات داخل المجتمع، وإما خشية التعرض للمؤسسة الدينية نفسها بما تمثله من مكانة سياسية واجتماعية لدى البعض، ومن قداسة لدى البعض الآخر.

ولذلك اقتصر ظهور الشخصيات الدينية في الأعمال الدرامية الأولى على شخصيات محدودة لم تتعد «المأذون» الذي يظهر لعقد القران ثم يختفي من المشهد، و«إمام المسجد»أو «الشيخ» الذي يظهر في السجدة الأخيرة من الصلاة والتشهد ليختفي هو الآخر بعد السلام.

ولم يخل الأمر في أحسن الأحوال من انتقاد بعض الخرافات ومحاربة بعض الظواهر الاجتماعية التي تتخذ من الدين ستارا كما شاهدنا في مسرحية «حلمك يا شيخ علام» التي كتبها أنيس منصور وقام بدور البطولة فيها الممثل الراحل أمين الهنيدي.

حدث هذا في مرحلة لم يكن قد ظهر فيها التعصب الديني بشكل يهدد أمن المجتمع، ولم تكن فيها الجماعات الإسلامية المتشددة قد نشطت وأصبح لها وضعها في بعض الدول العربية - ومصر على وجه الخصوص - إلى الدرجة التي أخذت تقوم فيها بعمليات خطف واغتيال، كعملية اختطاف وزير الأوقاف المصري الدكتور محمد حسين الذهبي ثم قتله على يد جماعة «التكفير والهجرة» منتصف عام 1977.

هذه العمليات التي بلغت أوجها باغتيال الرئيس المصري أنور السادات يوم السادس من أكتوبر عام 1981، ليظل نشاط هذه الجماعات متأرجحا بين الصعود والانخفاض، مستهدفا الأماكن السياحية وأفواج السياح الأجانب وبعض الكتاب والمفكرين والأدباء ممن يحملون آراء تخالف رأي هذه الجماعات التي تصمهم بالكفر والعلمانية والخروج عن الملة.

فكان اغتيال الكاتب فرج فودة عام 1992، وكانت محاولة اغتيال الأديب نجيب محفوظ عام 1994، وحدثت مذبحة السياح في الأقصر أواخر عام 1997، وغيرها من الأعمال التي خرجت عن نطاق الاختلاف في الرأي الذي لا يفسد للود قضية لتتحول إلى أعمال يسميها أصحابها «جهادية» وتسميها الحكومات «إرهابية».

هذا التطور في الفكر الديني الذي صاحبته أعمال هزت أمن مجتمعات بعض الدول العربية أفرز واقعا جديدا وجدت الدراما نفسها مضطرة للتعامل معه وعدم تجاهله، إما بإيعاز من السلطة كما يقول أعضاء التيار الديني المتشدد، أو عن رغبة حقيقية في محاربة هذا التيار الذي غدا يجد تعاطفا من قبل جبهة عريضة لا يستهان بها في المجتمعات العربية والإسلامية.

ولذلك شاهدنا في هذه المرحلة أعمالا سينمائية مثل فيلم «الإرهاب والكباب» من بطولة عادل إمام ويسرا وكمال الشناوي عام 1992، وفيلم «الإرهابي» الذي كتبه لينين الرملي ولعب بطولته عادل إمام عام 1994.

وفيلم «طيور الظلام» الذي كتبه وحيد حامد وقام بدور البطولة فيه عادل إمام أيضا وأثار ضجة كبيرة عند عرضه عام 1997. واستمرت السينما تقدم هذه النوعية من الأفلام التي كان آخرها فيلم «دم الغزال» للكاتب والسيناريست وحيد حامد الذي تناول فيه العلاقة بين التطرف والإرهاب والعشوائيات في مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي.

وعلى شاشة التليفزيون سجل مسلسل «العائلة» الذي كتبه وحيد حامد أيضا البداية الحقيقية للأعمال الدرامية التليفزيونية التي تناولت ما اتفق على تسميته بـ «الإسلام السياسي» وما تقوم به بعض الجماعات المتطرفة من استغلال الإسلام لتحقيق مآرب سياسية ومصالح اقتصادية، وممارستها للعنف تحت غطاء الدين.

وقد أثار المسلسل جدلا كبيرا حوله داخل مصر وخارجها وواجه انتقادات حادة من قبل الكثير من المتدينين، واتُّهم بأنه يقدم صورة سيئة عن الدعاة ويسعى إلى إفساد المجتمعات الإسلامية المتمسكة بدينها.حدث هذا قبل أن يتغير العالم بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 فيما سُمّي بـ «غزوة مانهاتن» التي جعلت الإرهاب يتربع على قمة اهتمامات العالم، ويغير من مسار حياة البشرية كلها.

فتغير أيضا مسار الدراما التليفزيونية التي تتناول قضية الإرهاب، وكان باكورة هذه الأعمال مسلسل «الطريق إلى كابول» الذي كتبه جمال أبوحمدان من إنتاج تلفزيون قطر الذي أوقف بثه قبل أن يبدأ عرضه بعد أن هددت جماعة تطلق على نفسها «كتائب المجاهدين في العراق وسوريا» بمهاجمة كل من ساهم في المسلسل والقنوات التي تبثه في حال تضمّن (غير حقيقة طالبان المشرّفة وما طبقوه من الشرع ومن دولة الخلافة) رغم تصريح كاتب المسلسل بأنه ينتقد أميركا ويعمل على تنقية صورة العرب من الشوائب التي أحاطت بها بعد 11 سبتمبر.

ولم يتمكن المشاهدون العرب من مشاهدة أكثر من الحلقات الثماني التي بثها كل من تلفزيون الشرق الأوسط «إم. بي. سي» وشبكة «أوربيت» متحديين بذلك تهديد الجماعة الإسلامية، ورافضين طلب الجهة المنتجة التي لم تسلمهما سوى تلك الحلقات الثماني من المسلسل قبل أن تطلب وقف عرضه.

ثم جاء مسلسلا «الحور العين» و«الطريق الوعر» اللذان كانا أحسن حظا فلم يوقف عرضهما رغم التهديد والانتقادات التي وُجّهت إليهما من قبل الجماعات الإسلامية.

وأخيرا جاء مسلسل «دعاة على أبواب جهنم» الذي أنتجه تلفزيون أبوظبي هذا العام ليسجل نقل نوعية، ويقدم مرحلة متطورة من الأعمال التي تتناول هذه القضية. وكان الجديد فيه أن كاتبه هو عبدالله بن بجاد العتيبي الذي يسميه البعض «التكفيري السابق» ويطلق عليه البعض «المتطرف التائب» لخروجه من عباءة التطرف الذي كان ينتمي إلى إحدى جماعاته.

يتناول المسلسل حكايات مجموعة من الشباب العربي في مرحلة ما بعد «الجهاد الأفغاني» ويستعرض مصائرهم في نسيج إنساني يبرز التناقض ما بين الدين الإسلامي السمح ودعاوى الجماعات التكفيرية، ويضع مشاهديه وجها لوجه مع سلوك وعقلية التطرف التكفيري وتنظيماته العنيفة التي لجأت علنا أو ضمنا، فعليا أو فكريا، إلى تكفير الدولة والنظام والسلطة في الدول العربية والمسلمة، وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك بتكفير المجتمعات العربية والإسلامية نفسها.

هكذا قدم المسلسل نفسه ليكون حلقة في سلسلة السجال الدائر بين التطرف والاعتدال، هذا السجال الذي لا يوفر وسيلة إلا واستخدمها، متخذا من الحوار حينا طريقا، ومن الدم والنار أحيانا طرقا بديلة عندما لا يعود الحوار مجديا، لتأخذ الدراما دورها في هذا السجال رغم التهديدات التي يواجهها القائمون عليها والعاملون فيها وتكاد تلحقهم بضحايا الإرهاب الذين يتساقطون كل يوم على الطريق.

بقي أن نقول إن هناك خيطا فاصلا بين الدعوة والإرهاب والتطرف يجدر بالقائمين على هذه الأعمال أن يتبينوه كي لا يفقدوا البوصلة فيضلوا ونغرق نحن وإياهم في دوامةٍ الخروج منها مستحيل. إذ يبدو أن الطريق ما زال طويلا، وأن الوصول إلى نقطة التقاء ما زال عسيرا، وأن العرض ما زال مستمرا.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com