مرت منطقتنا في ظروف وتحديات ومطبات كثيرة وموجعة. بعضها لا نزال نعيش بقايا تداعياته واعطابه وتكاليفه الباهظة. بين كل فترة وأخرى كانت تضربها هزة، من العيار الثقيل؛ لتتلوها أخرى من الوزن ذاته أو أكبر. لكن ولا مرة اجتمعت وتزامنت عدة أزمات ثقيلة، بل مصيرية، فوق ساحاتها.
كما هي الحال في الوقت الراهن أكثر من ساحة فيها، تستبد بها مشكلة قاسية ومعقدة ترقى إلى مستوى المأزق الوطني. وبذلك هي تهدد البلد ونسيجه السياسي والاجتماعي والثقافي. مشكلة تداخل فيها الخارجي بالداخلي بحيث باتت مستعصية ومفتوحة على المزيد من المخاطر. آفاقها شبه مسدودة بوجه أي انفراج. بل هي كلها تبدو سائرة نحو المزيد من التأزيم والتصعيد.
يمتد المشهد من العراق إلى لبنان وانتهاء بفلسطين. والمؤسف بل المؤلم، في هذه الأزمات، أن نزيفها جوّاني بقدر ما هو برّاني. رخاوة أوضاعها وضعف تماسكها الداخلي، سمحا للخارجي بالتلاعب فيها والتحكم بشؤونها وأوضاعها. بل أدى ذلك إلى تسهيل مهمة هذا الخارجي؛ سواء كان محتلاً أو مخترقاً؛ لهذه الساحات. الاستباحة الخارجية العبث الداخل وغذّته.
الساحة العراقية، الواقعة بين سندان الاحتلال ومطرقة العنف الجنوني، تدنو من حافة الانهيار. نزيفها بات أقوى من أن يحتمله الجسم العراقي ، المرهق والمنهك. سرعة التدهور فيها صاروخية، ورشة اللملمة فيها إما معطلة وإما عاجزة. وكأنها صارت عصية على السيطرة؛ مع إصرار قل نظيره على الانتحار. ولا صوت مسموعا غير صوت التأجيج والتزخيم للصراعات الداخلية.
وهكذا هي أيضا صورة الصراع السياسي المحتدم في لبنان والذي يهدد بحصول تطورات غير محمودة العواقب. محاولات التقريب بين فريقي النزاع تعثرت وانتهت إلى بقاء كل طرف على موقفه، وكان استئناف مسلسل الاغتيالات مؤخراً قد رفع من جديد درجة حرارة السجال وحرب التراشق بالاتهامات والتحديات. مما وضع البلد ، مرة أخرى في دائرة الترقب المشوب بالتخوف المشروع؛ لاسيما وان سلاح اللجوء إلى الشارع والرد عليه بالشارع المقابل؛ مطروح وعلى وشك ان يلقى ترجمته على الأرض؛ قريباً.
بموازاة كل ذلك تواصل الأزمة الفلسطينية مراوحتها، في غياب القدرة على تجاوز تعقيداتها. ماراثون تشكيل حكومة وحدة وطنية، لا يزال يجرجر في ضوء استمرار الخلاف على الحقائب السيادية (!)؛ كما في ضوء العراقيل والتعجيزات الإسرائيلية والأميركية. في ذات الوقت تواصل إسرائيل عدوانها على الشعب الفلسطيني، عبر سياسة الاغتيالات والقصف والحصار؛ الرامية إلى اغتيال أية تسوية كما إلى إحباط إقامة الدولة الفلسطينية الموعودة.
إزاء هذه المعضلات المتفاقمة، ليس هناك تحرك دولي ملحوظ، سوى ما تردد مؤخراً عن مبادرة أوروبية، بشأن القضية الفلسطينية لكن من دون تحرك ملموس، حتى اللحظة، في هذا الخصوص. التحرك العربي ناشط ولو بعيداً عن الأضواء. لكنه غير محسوس. وهو يحصل ويدور وفق الصيغ التقليدية.
في حين أن ما يواجهه اليوم، غير تقليدي؛ كماً ونوعاً الأمر الذي يفرض الإلحاح والإسراع؛ للقيام بأدوار أو بالأحرى لابتداع وسائل جديدة تستوفي شروط الفعالية، في مواجهة هذه الملفات.فالتحدي كبير وخطير ومصيري. والمنطقة لا تملك ترف الانتظار والترقب. فالوقت لغير صالحها.