قد يبدو لمن يعيش في حلكة الليل العربي الطويل أن المشهد مماثل في بقاع الأرض كافة، لكن الحقيقة ليست كذلك على الإطلاق.
فهناك جانب آخر من المشهد تجري فصوله في أرجاء أخرى من المعمورة وتبعث بتباشيرها المشرقةً، التي ربما تمهد الطريق لتغيير المسرح العالمي برمته، لكن الغريب في الأمر هو أن تلك التباشير تأتي هذه المرة من أمكنة قصية غير متوقعة لازمها اعتقاد لا يؤهلها لتصدر قائمة الأمم السائرة على دروب الحرية والديمقراطية خاصة وأن البعض يعتقد في العالم العربي أننا جديرون بذلك أكثر في غيرنا من سكان مناطق العالم المختلفة.
لكن يبدو أن زرعنا المخضب باللون الأحمر والمرصع باللون الأسود الحالك قد طال أمده وأن حصادنا لن يأتي إلا على شاكلته لفترة مماثلة من الوقت أيضاً. فلقد جرت العادة على ألا تقاس الأمور بمقدماتها فحسب وإنما أيضا بنتائجها التي عادة ما تأتي وفقاً لمقتضيات تلك المقدمات.
ثمة الكثير في التباشير القادمة من مكان قصي عن العالم العربي، لكنها تنم عن تجربة فيها وجهة نظر وتستحق الوقوف عندها وعليها لبضع دقائق على الأقل علنا نستخلص منها بعض العبر التي ربما يكون لنورها القدرة على اختراق حلكة ليلنا العربي المديد. وتلك التباشير تشير باختصار إلى إمكانية حقيقية لعودة قارة أميركا إلى الوقوف على قدميها من جديد بعد أن ظلت واقفة على رأسها عكسياً منذ أن ظهرت إلى العلن دولة نعتقدها مارقة تدعى الولايات المتحدة الأميركية.
نقول مارقة وكلنا اعتقاد أننا على حق لأنها قامت على الاغتصاب والعدوان والإبادة، اغتصاب الأرض والعدوان على سكانها وحتى إبادتهم. لكن ها هم هؤلاء السكان البسطاء الذين سلبت أرضهم وذبح أسلافهم ينهضون من الرماد كالعنقاء من جديد. ويسجلون النصر لقضاياهم واحداً تلو الآخر في عرس ديمقراطي يبدو أن مسيرته قد بدأت ولن توقفها قوة في الدنيا على ضوء توقهم الشديد إلى استعادة حريتهم واستقلالهم الناجزين، بعد أن لحق بهم عار تسمية بلدانهم بجمهوريات الموز.
إن تضافر التوجهات الديمقراطية التقدمية في مجموع بلدان أميركا اللاتينية، المعبر عنها في وصول العديد إن لم نقل غالبية أحزاب وقوى اليسار إلى السلطة، مع تصاعد قوة الصوت الهسباني في الولايات المتحدة وتمتعه بدور حاسم في أحيان كثيرة في العمليات الديمقراطية هناك، قد يخلق حالة جدية تعيد القارة إلى سابق عهدها قبل أن تطأ قدم الرجل الأبيض أرض الأحلام او الأوهام التي تشبعت بها عقول مريضة قادمة من الطرف الآخر للأطلسي.
من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي وفي أقصى قمة القمع المتسعة إلى آخر بقعة في زاويته السفلية، يسمع في الـ « ميركو سور» ـ أميركا الجنوبية ـ هدير ديمقراطية جديرة بقصائد أفحل الشعراء وغناء أجمل الأصوات. فمن البرازيل إلى فنزويلا ومن كوبا إلى بوليفيا مروراً بنيكارغوا والاكوادور أخيراً يحتفل الناس بعرس الديمقراطية لا بل يمكن القول إن يد الديمقراطية الحنون قد راحت تهدهد أحلامهم بعد طول عناء.
و إذا أخذنا في الاعتبار أن ذلك المشهد اللاتيني العزيز على قلوبنا والذي تجري فصوله على مرأى ومسمع « الأخ الأكبر» القريب مكانياً منه، فإننا ندرك قوة وعظمة ذلك المشهد الذي لا يروق بالمرة للجار الأكبر،لكن يبدو أن لا حول له ولا قوة في التأثير على مساره.
وأن الأمور تأخذ منه عنوة في حظيرته الخلفية، لا بل إنها تتعدى ذلك وصولاً إلى الداخل الأميركي الغاص بمحاولات استمالة قلوب وعقول المهاجر اللاتيني القادم من مسرح يعج بتغيرات أقل ما يمكن أن يقال فيها هو أنها لا تسير وفقاً لما تشتهيه مشيئة الرجل الأبيض، الذي لا يجد مناصاً من محاولة استمالته بصورة مضاعفة، مرة في بلده الأصلي حيث يسحب البساط من تحت أقدام من عاثوا فيه نهباً وخراباً طوال قرون من الزمن، ومرة أخرى في الولايات المتحدة نفسها حيث لا غنى عن الصوت اللاتيني في أي عملية انتخابية تجري هناك.
ولقد جاء تعيين ميل مارتينيز رئيساً للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة ليؤكد مرة أخرى صحة ما نذهب إليه في هذه العجالة حول أهمية الانسان الهسباني والدور الكامن القادر على لعبه والذي تجلى أخيراً في حسم معركة الكونغرس الانتخابية التي جددت لنصف دورة تشريعية في بلاد العم سام.
فلقد أدى أكثر من 60% من المتحدرين من بلدان أميركا اللاتينية بأصواتهم لصالح الحزب الديمقراطي رداً على العديد في القضايا المجحفة بحقهم وعلى رأسها مشروع بناء الجدار العازل بين الحدود الجنوبية للولايات المتحدة وشمال المكسيك.
هذا غيض من فيض الواقع الذي يدل على الصوت اللاتيني في بلاده الأصلية وفي الولايات المتحدة سائر على درب التعرف على نفسه ومصالحه من جديد والعمل على تحقيقها وبذلك يكون المشهد برمته ذاهبا بالاتجاه المعاكس للاتجاه السائد،الذي يلعب فيه الرجل الأبيض دور البطولة.