بعيداً عن أي اعتبارات كانت، وأي حسابات سياسية، لا يمكننا إلا أن ندين منطق الاغتيال السياسي، وأن ندين الجريمة التي استهدفت حياة النائب والوزير اللبناني بيير أمين الجميل، الذي اغتيل ضمن المسلسل الدموي الذي ضرب لبنان منذ اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري، وفي سياق ما يجري في الخفاء من محاولات آثمة لتفجير وتقويض السلم الأهلي، ونسف ما توافق عليه اللبنانيون على تطبيق ما ورد في اتفاق الطائف.
فالرابحون عملياً من حادث الاغتيال الأخير في لبنان. رابحون سياسياً. خصوصاً وأن عملية الاغتيال قد قسمت القشة الهشة للحالة الأمنية الرخوة داخل لبنان، وذلك بفعل تحريض البعض القليل، بينما تنشط الأيدي الإسرائيلية في العبث بالأوضاع اللبنانية الداخلية، وفي عمليات القتل والاغتيالات التي تمت قبل أشهر قليلة في منطقة صيدا..
حيث سقط العديد من شهداء المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، وبالنتيجة لم تكن عملية الاغتيال الأخيرة التي وقعت في لبنان سوى محاولة مكشوفة من قبل الطرف الإسرائيلي بالدرجة الأولى في ظل المناخات السلبية المشحونة.
ورب سائل يسأل عن مغزى هذا التردي المريع، والاستهدافات السياسية من وراء تفجير الوضع الداخلي اللبناني، مع استسهال وسيادة منطق القتل البشع والقاء الاتهامات هنا وهناك، وتنويعه من خلال تناول شخصيات لبنانية من مختلف الطوائف والمذاهب الفكرية والسياسية.
بالرغم من الإجماع اللبناني تقريباً، بما فيها الأطراف الميليشياوية التي انغمست في مراحل سابقة بالحرب الأهلية الداخلية، على نبذ العنف، والرضوخ لمنطق العقل وللمصلحة الوطنية اللبنانية التي تقتضي تعايش الجميع في وطن واحد موحد، وتحت سقف القانون، وطي الصفحات السلبية من ملف العلاقات السورية/ اللبنانية.
والجواب، يكون بالقول إن الأطراف المتضررة من السلم الأهلي في لبنان، ومن التنفيس النسبي لأجواء الاحتقان بين لبنان وسوريا، والساعية إلى توجيه المزيد من الضغوط على دمشق، هي بالضبط الأطراف التي تحاول العبث بالوضع الداخلي اللبناني، وإعادة ذر بذور الانقسام والحروب الأهلية الداخلية من جديد، وتوجيه الأذى القاتل إلى سوريا الموضوعة تحت الاستهداف الأميركي الإسرائيلي منذ سقوط بغداد في مارس 2003.
وحسناً فعلت غالبية الأطراف اللبنانية، من خلال تجنبها إطلاق التصريحات العشوائية أو الموتورة ضد بعضها البعض وضد بلد عربي لصيق بلبنان تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، وتركيزها على ضرورة العمل الحثيث وبصبر دؤوب من أجل ملاحقة الفاعلين وكشف هويتهم، ومن يقف وراءهم، والتأكيد على مبدأ رفض الاغتيال السياسي، والتمسك بوحدة الدم اللبناني، وعلى السير قدماً في استكمال بناء عناصر السلم الأهلي التشاركي، وفق أوسع مشاركة لألوان الطيف السياسي اللبناني.
إن انفتاح القوى السياسية اللبنانية على بعضها البعض، بالرغم من الاصطفافات القائمة حالياً، وما يعتريها من ثغرات وسلبيات، والعودة لمنطق الحوار مسألة لابد منها لوقف اندفاع القوى المعادية، وإسرائيل تحديداً للعبث بالوضع اللبناني، ومحاولة إيقاظ الفتن وتحريك الغول القاتل من قمقمه.
وفي سعيها لتحقيق جملة من الأهداف في إعادة تعويم وخلط الأوراق وزيادة منسوب التطاحن السياسي في المنطقة. فالطيران الإسرائيلي يحلق كل الأوقات في سماء لبنان، وأجهزة الموساد متغولة في العمل على دائرة الساحة اللبنانية من أقصاها إلى أقصاها.
وتاريخياً ان إسرائيل لا تعرف ولا تعترف بالضوابط خصوصاً في زمن الصمت الأميركي، فهي أول الأطراف المستفيدة من انفلات العنف الدموي في لبنان، وطالما دأبت على ممارسة كل أشكال الاغتيالات منذ تأسيسها، وانغمست أيادي كبار قادتها من جنرالات الماضي القريب في عمليات قتل جرت حتى داخل حي فردان وحي الفاكهاني في بيروت بتاريخ التاسع من أبريل 1972، عندما نفذت مجموعات الموساد والكوماندوز الإسرائيلية بقيادة الجنرالين إيهود باراك وأمنون شاحاك، تصفية الشهداء القادة: كمال ناصر، كمال عدوان، محمد يوسف النجار.
وعليه نتمنى أن تكون عملية الاغتيال التي طالت حياة النائب الراحل بيير أمين الجميل، آخر عملية إجرامية في المسلسل الدموي إياه، ولكن ليس بالتمني وحده ينجح لبنان في تجاوز المحن، بل بالإصرار على اقتلاع يد الإرهاب المنفلت وملاحقة وكلائه، والاحتكام للعقل في التفتيش والبحث والتقصي قبل إلقاء الاتهامات هنا وهناك، وفي قراءة المعطيات بشكل دقيق قبل إصدار الأحكام التعسفية.
إن إنهاء حالة توليد الاستقطابات المؤذية في لبنان، باتت شرطاً ضرورياً من أجل السير على طريق حل القضايا اللبنانية الداخلية بالتوافق والاتفاق على قاعدة التقاطعات المشتركة، والوصول لحكومة وحدة وطنية بالطرق الديمقراطية الشرعية، والابتعاد عن المراهنة والاستقواء بالعامل الخارجي، أو العودة لصندوق الاقتراع عبر انتخابات تشريعية مبكرة.
وفي هذا السياق فان شخصيات لبنانية، محترمة وفاعلة، ونظيفة الكف والسيرة، كرئيس الوزراء السابق سليم الحص يمكن لها أن تلعب دوراً مؤثراً في جسر الهوة بين مختلف أطراف الصف الوطني اللبناني.
وفي المساعدة على إعادة إطلاق قاطرة الحوار الداخلي على أساس من القواعد الوطنية المشتركة، التي تحفظ لبنان وعروبته، ودوره الوطني، وعلاقاته المميزة مع الشقيقة سوريا، وتكريس علاقات سورية لبنانية على أساس متين يضمن الاحترام المتبادل.
إن الشعب اللبناني هو المستهدف الأول من تقويض الوضع الداخلي، وسوريا طرف مستهدف أيضاً، حيث يكفيها ما تتعرض له من ضغوط خارجية بسبب من علاقاتها الفلسطينية مع مختلف الأطراف في الداخل الفلسطيني.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
