اغتالت يد الغدر والعدوان الوزير اللبناني بيار الجميل لينضم إلى قائمة شهداء الحرية والكرامة في لبنان، سقط الجميل بنفس تلك اليد الآثمة التي اغتالت شرفاء لبنان من قبل: الحريري، وقصير وحاوي وتويني وفليمان وغيرهم من الرموز الوطنية.

لقد ودع لبنان شهيده في مأتم مليوني ذكرنا بالمشهد المليوني «14» مارس 2004 وهم جميعاً مصممون على جلاء الحقيقة، يبدون متمسكين بالمحكمة الدولية التي ستنظر في جريمة اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري والجرائم السياسية التي سبقتها وتلتها وآخرها اغتيال الجميل.

لقد استنكرت جميع دول العالم الجريمة الغادرة وتوالت الإدانات من قبل جميع الهيئات والمرجعيات والقوى السياسية والدينية والحزبية في لبنان ، ولكن السؤال: لماذا قتل؟ وما الهدف؟ ومن هو صاحب المصلحة في الجريمة؟

لا شك أن صاحب المصلحة الكبرى في مسلسل الاغتيالات اللبناني، هو من لا يريد الخير لهذا البلد الجميل، من لا يريد له الاستقرار والازدهار، من يريد جر لبنان إلى الفتنة الطائفية والاقتتال الأهلي كما هو حاصل في العراق الدامي.

لماذا اغتالوه؟ لأنه أراد لبنان حراً مستقلاً له سيادته الكاملة على شعبه وأرضه، بعيداً عن الهيمنة الخارجية والوصاية الإقليمية. وهو الهدف الأساس الذي تتمسك به حكومة السنيورة، والذي ضحى من أجله الشهيد الحريري، وظن من قتله أنه بتصفيته للحريري يقضي على هدف الحريري ومشروعه التنموي الإصلاحي في جعل لبنان بلداً حراً.

ولكن خابت الظنون، فدماء الحريري لم تذهب هدراً، إذ زلزلت لبنان وجعلته ينتفض بثورة المليون (14 مارس) مطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال، نعم لقد كان مقتل الحريري حدثاً مأسوياً عظيماً ضرب قلب لبنان لكنه أيقظ اللبنانيين عن بكرة أبيهم لبعث لبنان الحرية والكرامة والعزة.

لقد حاول البعض إسقاط الحكومة الوطنية ـ التي يتهمونها بالعمالة ـ ومارس ضغوطاً على وزيرين آخرين ثم هدد باللجوء إلى الشارع لإجبار الحكومة على تنفيذ مطالبهم في تفعيل ما سمى (الثلث المعطل) لتكون الحكومة اللبنانية، رهينة المزاج السياسي المتقلب.

ولكن هذا البعض لم ينجح وبقيت حكومة السنيورة صامدة وظل الشعب اللبناني ملتفاً حولها، وفشلت جهود إسقاط الحكومة، دستورياً ـ كما هي نص المادة 69، إذا فقدت الحكومة أكثر من الثلث ولكن خابت الظنون فمازالت الحكومة دستورية حتى بعد اغتيال الجميل واستقالة بعض الوزراء.

التساؤلات الآن: لماذا يريدون إسقاط هذه الحكومة الشرعية التي حازت على الثقة والمصداقية ـ لبنانياً وعربياً ودولياً ـ؟! لماذا التشكيك في هذه الحكومة التي استطاعت بمعجزة وقف إطلاق النار وانقاذ ما تبقى من لبنان في حرب مدمرة؟! لماذا إرهاب هذه الحكومة؟ ولماذا تخوينها ولولا جهودها الخارقة ما أمكن إعادة الثقة الدولية والعربية لإعمار لبنان؟!

والجواب معروف لدى الكافة إنه الخوف من (المحكمة الدولية) القادمة لكشف الحقيقة!! يريدون عرقلة هذه المحكمة بأية وسيلة: بتخوين الحكومة، بإسقاطها، بورقة الشارع وبعيداً عن اتهام أية جهة فإن المرء الصادق يحق له أن يتساءل: لماذا يسعون إلى تعويق عمل المحكمة الدولية؟! ومن حقه أن يتساءل ـ أيضاً.

ـ كما قال سعد الحريري: إذا كان هناك من يشعر بالخوف من المحكمة فهم الجناة والقتلة والمجرمون الذين قتلوا رفيق الحريري ورفاقه!! وإذا كان هؤلاء صادقين ـ حقاً ـ في اتهامهم لإسرائيل بأنها وراء العمليات الإجرامية في لبنان، فهذه فرصتهم الحقيقية في إثبات ذلك.

ومن ثم يجب أن يكونوا هم أول المطالبين الحريصين على مجيء هذه المحكمة لجلاء الحقيقة، ولكن الحاصل في الساحة اللبنانية والإقليمية عكس ذلك تماماً، فالحكومة اللبنانية هي التي تسعى بكل جهودها لإقرار المحكمة الدولية وتطالب بتوسيع التحقيق الدولي ليشمل اغتيال الجميل ، بينما هناك من يسعون بكل جهودهم لإفشال مسعى الحكومة وعرقلة مجيء المحكمة الدولية والتشكيك فيها.

إن لبنان تعرض لمحن وأزمات كارثية، لكنه تغلب عليها وتجاوزها بفضل حيوية شعبه وقوة إرادته وارتفاع مستوى وعيه، إنه الشعب العنيد المنتصر للبنان الكرامة وقد أثبتت الأحداث الأخيرة ذلك.