حتى لا تضيع البوصلة العربية، بين الإرهاب وحروب الشوارع، والتقدم خطوة، والرجوع عشر خطوات في التعاون الاقتصادي، والعلاقات السياسية مع دول العالم، وإضاعة الفرص بالضجيج الإعلامي والاتهامات المتبادلة، علينا أن نقوم أوضاعنا بما ينبني على العقل قبل العاطفة، دون أن نهمل صداقات دول كبرى، بمعنى أشمل التحرك بكل الآفاق في بناء أوطاننا وفق تحديات المستقبل، ومن خلال نقد ذاتي لجميع سلوكياتنا.

ومثلما تعاملنا مع الغرب بعداء، أو دونية، أو تشكيل فصائل تلعن الدولار، والاستعمار والرأسمالية الفجّة نيابة عن الشرق الشيوعي، أو تضيف الداخل بما يتفق والطروحات القومية ثم المذهبية، والتعلق بأوهام النصير، والمتحالف، أن نقف من هذه المرحلة بوعي يقسو على الذات لكن لا يقمعها، أو يذيبها بمحلول الأيدلوجيات، أو يدفعها في أحضان التطرف والتمزق الطائفي والقبلي.

لقد تعاملنا مع الغرب وكان قاسياً علينا، لكنه لا يبرر ضعفنا، حيث تقاسم المسؤوليات بين طرفين أو عدة أطراف تتكتل وتدافع عن مصالحها لابد من التساوي بالقوة، وهي هنا ليست القوة العسكرية بحشودها وآلياتها وميادين رمايتها المدمرة، وإنما بإيجاد القواعد لنظم تربوية وسياسية واقتصادية متطورة، أي أن نتبع فكرة (التحدي والاستجابة) التي قادت دول عديدة إلى الوصول إلى غاياتها بالتخطيط والتصميم وجعل الاعتبار الأول يصب في صالح التنمية الوطنية، حتى لا تترك فراغاً لنمو الاتجاه المضاد الذي يذهب للإرهاب والنظرة السوداوية لكل العالم.

آسيا الكبرى بقواها التي نشأت من خلال برامج جادة، وفضلت أن تتجه لتنمية الإنسان التي انبثق عنها تنانين زاحمت الدول المتقدمة في القدرة على الإنتاج والحصول على حصص كبيرة في السوق العالمي، ثم تأتي القوى الثلاث اليابان، والصين، والهند لتسجل القدرة الأكبر على تجاوز أوروبا واللحاق بأميركا.

أن نعي معنى هذا التطور الذي يلتحم معنا في قارة واحدة، وأن نكون أول المبادرين في فتح النوافذ المغلقة بعيداً عن تلفيات التاريخ العاطفي لدول عدم الانحياز، أو الكتل الافريقية - الآسيوية، والعمل على تشكيل ورش عمل بين قنوات الدوائر الحكومية، والقطاع الخاص وفهم ما نريد، وما تريده تلك الدول في مبادلات تنبني على قاعدة التبادل الحر والمنطقي.

لأن الساحة الآسيوية المفتوحة التي لم تكن على علاقة تاريخية سيئة معنا أن نوسع مشاريعنا التنموية والسياسية مع دول بدأت تعزز دورها الكوني على الكرة الأرضية، وهي فرص لا تزال بيدنا بشرط أن نبتعد عن المنطق السلفي للسياسة العمياء، ونفهم قواعد اللعبة التي يتقاسمها الكبار مع الصغار وفق من يعطي ويأخذ على مستوى تقاسم المصالح والمسؤوليات، وإلا فإن غيرنا يسبقنا لمضمار السباق بما في ذلك إسرائيل التي شكلت علاقاتها مع آسيا بأفضل مما نفعل ونعمل.