قمة فرنسية إسبانية في 16 نوفمبر في إطار القمم السنوية بين البلدين واتصال مع رئيس الوزراء الإيطالي ثم الإعلان عن مبادرة أوروبية للسلام هكذا انطلقت المبادرة الثلاثية للسلام من اسبانيا، مبادرة تحمل للتذكير عناصر خمسة منها تبادل الأسرى الفلسطينيين والإسرائيليين ودعم تشكيل حكومة وحدة وطنية في فلسطين وعقد قمة فلسطينية إسرائيلية بغية وقف العنف المتبادل بين الطرفين وإنشاء قوة دولية ونشرها في غزة .

كما هي اليونيفيل في جنوب لبنان وعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط في إحدى الدول الأوروبية وبالطبع طرح هذه المبادرة على القمة الأوروبية في الشهر القادم بغية العمل على تبنيها رسميا من الاتحاد الأوروبي مع القبول بالطبع بإحداث بعض التغييرات أو التعديلات عليها كما صرح أصحاب المبادرة.

العناصر التالية كانت وراء توقيت هذه المبادرة: أولا التغيير السياسي المزدوج في كل من اسبانيا وايطاليا اللتين شهدتا تحولا من سياسة أطلسية شديدة ملتصقة بشكل شبه كلي بالسياسة الأميركية مع أزنار وبيرلسكوني والعودة إلى السياسة التقليدية للبلدين: السياسية «الاستقلالية الأوروبية» المتميزة عن واشنطن دون أن تكون متصادمة معها بالضرورة وذات الاهتمام الخاص بجوارها العربي الشرق أوسطي.

ثانيا، إن الدول الثلاث تحركت في إطار سياستها المتوسطية المعروفة وكانت دائما طليعية في أوروبا في إقامة جسور الصلة مع الضفة الأخرى للمتوسط.

وقد ذكر بذلك رئيس الوزراء الاسباني حينما قال نحن قوى متوسطية ونحن نشارك في اليونيفيل في لبنان تحت عنوان الحفاظ على الاستقرار والبحث عن السلام. ثالثا، اسبانيا التي أطلقت المبادرة تتحرك منذ فترة بنشاط في الشرق الأوسط عبر دبلوماسية استكشافية يقوم بها وزير خارجيتها ميغال موراتينوس الخبير بشؤون المنطقة.

والذي كان لسنوات طويلة المبعوث الأوروبي لعملية السلام في الشرق الأوسط. اسبانيا تتحرك في الذكرى الخامسة عشر لمؤتمر مدريد للسلام تحت عنوان العمل على عقد مدريد2 وهنالك اتصالات جارية لعقد مؤتمر تحضيري شبه رسمي في هذا الصدد.

رابعا، فرنسا كانت دائما مؤيدة للدعوة لعقد مؤتمر سلام دولي للشرق الأوسط من خلال البدء بالمسار الفلسطيني الإسرائيلي وهو موقف يشكل نقطة أساسية في التعامل الفرنسي مع ملف النزاع العربي الإسرائيلي وفرنسا التي تتطلع إلى إقامة «شراكة استراتيجية مميزة» مع اسبانيا كما هي الحال مع ألمانيا وجدت في طبيعة هذا اللقاء ومكانه اللحظة المناسبة للإعلان عن هذه المبادرة.

خامسا، هنالك نافذة مفتوحة ولو انها ضيقة ولفترة ربما قصيرة تستدعي محاولة الدخول عبرها لإعادة تحريك قطار السلام المتوقف منذ مطلع هذه الألفية فهنالك اتصالات حثيثة لتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية ولو أنها اتصالات متعثرة بعض الشيء ولكن إيجاد أفق تسوية للنزاع قد يساعد في الضغط نحو إيجاد التسوية الفلسطينية الضرورية والمطلوبة.

كما أن هنالك قناعة أن العمل على خفض منسوب التوتر في الشرق الأوسط وخاصة في ظل المأزق العراقي الراهن وسقوط واشنطن في المستنقع العراقي قد يساهم في خلق مناخ ايجابي لتسوية النزاعات المترابطة والمتداخلة في «اللعبة الكبرى» في الشرق الأوسط.

أضف إلى ذلك بالطبع أن التراجع الحاد في شعبية رئيس وزراء إسرائيل والانهيار الكبير الذي يشهده حزبه، حزب كاديما، يضعه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الذهاب نحو العمل العسكري التصعيدي في غزة بشكل خاص أو إعادة النظر بالسياسة الإسرائيلية نحو القبول بمنطق التسوية السياسية والخضوع له.

كما انه في السياق ذاته بدأت تخرج أصوات في إسرائيل ولو أنها مازالت ضعيفة وهامشية في ظل التوجه العام نحو مزيد من التشدد، أصوات تنادي بالعمل لتحقيق التسوية الدائمة ولو عبر سياسة المراحل ومن أهم هذه الأصوات صوت النائب يوسي بيلين الذي أطلق مبادرة نحو الحل الدائم بعد اتصالات ومشاورات مع مسؤولين فلسطينيين وغربيين. مبادرة تأتي بعد حوالي سنتين تقريبا من مبادرة جنيف الفلسطينية الإسرائيلية الدولية المشتركة التي انتهت إلى أرشيف مبادرات السلام الكبير بحجمه.

ولكن هنالك عناصر أيضا تشكل معوقات أساسية أمام تبلور هذه المبادرة وترجمتها إلى سياسة قائمة. من هذه العناصر عدم وجود تجاوب أوروبي حار مع هذه المبادرة إلى جانب وجود أصوات تشكيك وانتقاد أوروبية واتهام الثلاث بمحاولات التفرد وفرض سياسات على الاتحاد الأوروبي. فهنالك من «فوجئ» بالمبادرة .

كما قال المبعوث الأوروبي لعملية السلام وهنالك من طالب بالتريث كما هو حال الموقف الألماني، وألمانيا تستعد لترؤس الاتحاد الأوروبي في مطلع العام المقبل، وهنالك من انتقد المبادرة رغم دعوته لضرورة العودة إلى الملف الفلسطيني ولكن ضمن سياق آخر يمر عن طريق واشنطن أساسا كما هو حال الموقف البريطاني.

وبالتالي يبقى التحدي قائما حول كيفية تحويل هذه المبادرة الثلاثية إلى مبادرة أوروبية رسمية في القمة الأوروبية في منتصف الشهر المقبل.

ثانيا استمرار الموقف الإسرائيلي التقليدي والرافض بشدة وبشكل مبدئي لدور «الطرف الثالث» وتحديدا لدور أوروبي في هذا المجال باعتبار أن المشكلة أساسها تحقيق الشروط الإسرائيلية المطروحة على الفلسطينيين .

وهي الشروط المستمرة منذ سنوات، منذ توصيات لجنة ميتشال ومبادرة زيني ومبادرة تينيت وورقة الأفكار الأردنية المصرية والتي تشكل التفافا فاضحا على عملية السلام ومحاولة للهروب المستمر من التزامات تلك العملية. فالموقف الإسرائيلي هو ذاته وقوامه عدم وجود شريك فلسطيني قبل «التخلي عن الإرهاب» بالمفهوم الإسرائيلي بالطبع.

ثالثا، الرفض الأميركي المطلق والتقليدي كان هو الرد على هذه المبادرة ولو أن واشنطن غير بعيدة عن تشجيع طرح بعض الأفكار لتحريك الملف الفلسطيني الإسرائيلي ولكن تحت سقف منخفض جدا وغير سياسي شامل ويتعلق بخطوات إجرائية أو تسهيلية ووعود اقتصادية ومالية .

ومنها بواسطة جزرة رفع العقوبات لكن الموقف الأميركي الذي انطلق تحديدا وبشكل عام منذ ربيع 2001 مع إدارة الرئيس بوش مازال مستمرا لا بل صار أكثر تشددا في الفترة الأخيرة وهو الموقف القائم على ما يمكن اختصاره بمناهضة المقاربة الكلنتونية، نسبة إلى الرئيس السابق كلينتون أو كما نقل شارل اندرلان في كتابه الجديد «السنوات الضائعة:

حول الانتفاضة والحروب في الشرق الأوسط»، عن الرئيس الأميركي في لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون خلال زيارته لواشنطن في 20 مارس 2001، بأن الإدارة الأميركية لا تنوي الانخراط في عملية البحث عن اتفاق سلام في الشرق الأوسط ولكنها مستعدة أن تساعد فيما لو أرادت الأطراف المعنية ذلك، مع التأكيد أن مشاركتها ستبقى محدودة جدا.

أضف إلى ذلك انه بعد 11 سبتمبر والهيمنة الواضحة للمحافظين الجدد الذين رغم تراجع قوتهم ودورهم في المسألة العراقية إلا أن قراءتهم للمسألة الفلسطينية مازالت مهيمنة وهي القراءة التي لا تعطي أهمية لهذه المسألة ولا تعتبرها قضية تحرير وطني بل تتعامل معها باعتبارها ناتجة عن غياب الديمقراطية في العالم العربي الإسلامي وتفشي الإرهاب وبالتالي تبقى نتيجة وليست سببا للمسائل الأساسية في المنطقة التي يفترض معالجتها، ولذلك استقرت مهمشة على جدول الأولويات الأميركية المطروحة في الشرق الأوسط.

ومن الصعب إطلاق مبادرة أيا كانت أهميتها وأهمية الأطراف الأوروبية أو الدولية وراءها طالما أن واشنطن تعارضها وطالما أن إسرائيل ترفضها وطالما أن العرب بطبيعة الحال يقفون متفرجين على مستقبلها ومصيرها وهم على قارعة الطريق في الصراعات والنزاعات ولعبة القوى الكبرى والصغرى في الشرق الأوسط.

فالمبادرة لن تكون أكثر من حجر في مياه راكدة وهي بذلك دون شك تشكل عملا ايجابيا لكن نتائجه ستبقى محدودة جدا في شرق أوسط يتجه نحو مزيد من التوتر والنزاعات.

كاتب لبناني