يبدو أن آخر خطوط المحرمات والممنوعات، في الساحة العراقية، قد بدأت تسقط وتتهاوى. إذا لم تكن قد سقطت فعلاً. ويرافق ذلك، في ضوء الفظائع الرهبية التي شهدتها الأيام الأخيرة، انطباع بل اعتقاد متزايد بأن هستيريا العنف الطائفي ـ المذهبي، قد فلت من عقاله، وانه بات من المتعذر لجمه. ناهيك بوقفه وقطع دابره.

الأمر الذي بدأ يؤسس لنوع من التسليم بالأمر الواقع والتهيؤ بالتالي للعمل بمقتضاه. أو، في أحسن الأحوال، التسليم بالعجز عن التأثير في الأحداث المصيرية، التي تعصف بالبلد. وما حالة التفرّج السائدة، على عملية سفك الدماء الجارية هناك، سوى واحد من مظاهر هذا التسليم، وفي ذلك يكمن الوجه الآخر المخيف لما يجري في العراق، الآن، ولآثاره ومضاعفاته المدمرة، على مصيره كما على أوضاع ومصير المنطقة.

دوامة القتل بالجملة على الهوية، والتي استبدت بهذه الساحة، بعد وقوعها تحت الاحتلال؛ توسعت وتعمقت بصورة مخيفة، بعد الانعطافة التي سجلتها أول من أمس وقبله. حجم المجازر واستهداف دور العبادة؛ فضلاً عن حرق الناس وإشعال النار بهم وهم أحياء؛ كله انتقل بالوضع إلى مشارف اللاعودة.

يعني إلى مشارف نحر العراق، كبلد ودولة وشعب. لاسيما وأن ذلك يحصل باندفاع يتزايد زخمه مع كل وليمة دم وكل تجاوز لقدسية المحرمات؛ فيما تتواصل المراوحة، الأمنية والسياسية، الداخلية؛ وعدم القدرة على استنباط الكوابح والحلول.

الأمر الذي يشي بان العراق، المسربل بجميع أصناف القيود، غير قادر وحده على التصدّي الناجع لهذا التدهور المريع الذي بات يهدد البلد في وجود كل المواثيق والاتفاقات، فضلاً عن المناشدات والدعوات ومشاريع المصالحة؛ لم تفلح حتى في التخفيف من سرعة الانجراف في الطريق الدموي الطائفي. على العكس، يترسخ السير على هذه الطريق.

والملفت أن الانفجار المفجع لوتيرة هذا العنف، ترافق أو تصاعد، مع تصاعد الحديث عن ضرورة نفض يد الاحتلال من الوضع الأمني المتدهور في العراق.

وكأنه لا يتحمل أية مسؤولية في هذا الخصوص، كذلك الملفت أن التردي الفظيع آخذ في التزايد، عشية الكشف عن توصيات تقرير «لجنة بيكر»، وما تردد بشأنها، لجهة الإسراع في نقل المسؤوليات الأمنية ووضعها بيد القوات العراقية، في الوقت الذي يعترف فيه الأميركيون بعدم جاهزية هذه القوات للاضطلاع بمثل هذا الدور وحاجتها إلى المزيد من التدريب والتسليح، قبل أن تصبح قادرة على النهوض بهكذا مهمة.

ثمة نوايا مبيتة تستهدف العراق. الأحداث النوعية الخطيرة العاصفة به، تتطلب طاقات وجهوداً خارقة وجادة للتعويم. أو على الأقل لمحاصرة وتطويق الإنفجار المذهبي ومنعه من التمدد. مثل هذه المهمة لا يستقيم النهوض بها، في نهاية الأمر، إلاّ على أيدي العراقيين. لكن العراق في اللحظة الراهنة يعيش حالة انعدام وزن.

الحريق يحاصره من جميع الجوانب. لذلك على الإطفائية العربية استنفار جميع إمكانياتها لاستلحاق الأمور وبالتالي لتمكين الأطراف العراقية، من التقاط أنفاسها؛ كي تقوى على الإمساك بزمام الأمور وإرجاعها إلى السكّة السويّة. لقد طال انتظار الدور العربي وطال غيابه. والآن حانت لحظته قبل أن تصله شظايا الانفجار العراقي وألسنة نيرانه الحارقة.