المخاوف من اندلاع حرب أهلية لا تبقي ولا تذر في العراق، عادت بقوة عبر سيارات الموت المتنقل التي جرى تفجيرها في مدينة الصدر، لتقتل وتجرح مئات النفوس البريئة، وسط احتقان طائفي ليس له مثيل، كان سبباً في اعتراف واشنطن بفشل مسارها في بلاد الرافدين.

تفجيرات مدينة الصدر المروعة، ومئات الجثث المجهولة التي تظهر في الساحات ومكبات النفايات والمجاري المائية من وقت إلى آخر كلها تعبير عن حالة الانهيار الأمني الوسع الذي وصفه وزير الخارجية الأميركي السابق جيمس بيكر «بالفوضى العارمة» التي أرادتها الإدارة الأميركية «فوضى خلاقة» تعيد رسم المنطقة على هواها وخدمة مصالحها، لكن الرياح لا تأتي عادة بما تشتهي السفن.

وها نحن أمام حمام دم جديد، يشرع أبواباً واسعة على كل الاحتمالات في ظل تعطل مشروع المصالحة الوطنية، وعجز الحكومة العراقية في التعامل مع الملف الأمني وخاصة قضية حل الميليشيات المتهمة من الجميع بقيادة عمليات القتل اليومي على أسس مذهبية وطائفية.

ما جرى في مدينة الصدر تجسيد للمخاوف التي يحذر منها الجميع من انزلاق العراق إلى هوة الحرب الأهلية من دون أن نرى على أرض الواقع صدى لهذه التحذيرات، في شكل خطوات محسوبة باتجاه اللحمة الوطنية، وتجنب توسيع شقة الخلاف العراقي ـ العراقي.

نعم هناك أكثر من يد تلعب في الساحة العراقية وأولها يد الاحتلال والأطراف المستفيدة من استمرار وقوع العراق تحت سيف عدم الاستقرار، والغرق في دوامة العنف، لكن ذلك لا يعفي العراقيين من تحمل مسؤولية ما يجرى بأيديهم هم وليس بأيد غيرهم من عمليات قتل ودمار كانت سبباً في حصد مئات الألوف من الأرواح منذ بدء الغزو الأميركي في مارس 2003 وحتى اليوم.

غراب القتل الأسود الذي ينعق في الأفق العراقي، لا يجب أن يتحول إلى قدر أبدي لا يمكن الفكاك منه. فمع اقتراب الاحتلال من اختتام عامه الرابع، يفرض المشهد المقبض مسارعة جميع الفرقاء العراقيين على وقف نزيف الدم، والاحتكام إلى ما يجمع وهو كثير إذا تم النظر إليه بعيون لا تطلب الثأر، أو الاستحواذ على كل أوراق اللعب من دون وضع الآخرين في الاعتبار.

أرواح القتلى التي زهقت، في مئات التفجيرات، وآلاف الهجمات التي استهدف بعضها جنود الاحتلال وحصدت غالبيتها الإخوة والأشقاء، تتطلب إعادة النظر، تصحيحاً للمسار، وقبل أن يتحول العراق إلى كومة من رماد.

المطلوب اليوم المضي قدماً في مشروع المصالحة الوطنية، وتفعيل وثيقة مكة لحقن الدماء التي اعتقد البعض أنها ستساهم في تخفيف حدة الاحتقان.

وان تبتعد الحكومة العراقية عن القرارات التي تثير هذا الطرف أو ذاك، والمؤكد أن القرار الذي صدر مؤخراً لاعتقال أو التحقيق مع الأمين العام لهيئة علماء المسلمين السنة الشيخ حارث الضاري، لم يكن موفقاً، وأثار النفوس وفتح أبواباً جديدة للشقاق كان العراقيون في غنى عنها في هذا الوقت بالذات.

النفق المظلم الذي تسبب الاحتلال الأميركي في حفره، لن تنجح الحلول الأمنية وحدها في الخروج منه، خاصة وان قوات الاحتلال باتت عالقة في «الفخ العراقي» كما قال كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة. وبالتالي فان التعويل على القوة ستبقى آثاره محدودة للغاية. فقد جرب الاحتلال والقوات العراقية عشرات الحملات الأمنية على هذه المنطقة العراقية أو تلك، لكن بقي العنف الذي يخرج ألسنته للجميع.

المسار السياسي، يحتاج إلى دفعة جديدة، انطلاقاً من حق الجميع في المشاركة في صنع المستقبل الذي لن يتواجد فيه الاحتلال إن عاجلاً أو آجلاً. العراق سيبقى، والعراقيون على مختلف طوائفهم ومذاهبهم سيبقون فوق ترابه، ومهما اشتدت المحنة يجب أن يضع الجميع عيونهم على الغد الذي يفرض البحث عن القواسم المشتركة، وعوامل التعايش وهي لحسن الحظ أكثر من أن تعد.