اتجاهات الرياح تتحول ببطء في ما بات يعرف بـ «الشرق الأوسط الجديد» من جديد ولكن هذه المرة لغير صالح واشنطن، التغير قد يتحول إلى ما يشبه الانتفاضة أو الثورة أو الطوفان حسب بعض التقديرات، فالملف النووي الإيراني الذي أثير وضخم على مدى السنوات الثلاث الماضية ليصبح هو الخبر .
وهو المشكلة وهو الصاعق الذي قد يفجر المنطقة كلها، وهو «الخطر» الذي ينبغي استئصاله ليبدأ عهد «شرق أوسطي جديد» آخذ بالتراجع شيئاً فشيئاً لصالح ما يشاع عن «تسوية ما» أو حتى «صفقة» أو بالحد الأدنى «تعايش» مع القدرة النووية الإيرانية الصاعدة.
والقضية الفلسطينية التي كان يروج في الإعلام الدولي بأن كل الجهود كانت منصبة لحلها بما يخدم أمن إسرائيل وصناعة «دويلة» فلسطينية تسبح في فلكها خالية من المتطرفين والإرهابيين، وبتعبير آخر من أية مقاومة تراجعت هي الأخرى كل الآمال حولها وتركت لرياح التغيير الذاتية تتخبط فيها كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، سعياً وراء «تعايش» بين الجميع إلى حين استقرار معادلة جديدة لا يبدو أن واشنطن سيكون لها حظ كثير فيها!
والقضية العراقية التي كان يروج ان العام 2006م سيكون العام النموذجي لدولة عراق المستقبل النموذجية والمثال لدول المنطقة من فلسطين إلى لبنان إلى سوريا إلى إيران وإلى كل أنحاء «الشرق الأوسط الكبير» تتراجع هي الأخرى لتجعل من بغداد والعراق عموماً «نموذجاً» للتخبط الأميركي والغربي والدولي في دماء العراقيين الأبرياء وانعدام الآفاق حول المصالحة الوطنية المنشودة وتلبد الغيوم في سماء العراق وترك مستقبله في مهب رياح حرب أهلية ملغومة.
سواء قرر رئيس الولايات المتحدة الأميركية المنهزم حزبه زيادة عدد القوات أو تقليلها، وفي الحالتين مقدمة للانسحاب الكبير من بلد بات «نموذجه» تهديداً طائفياً وعرقياً ودينياً و«ديمقراطياً» يقلق منه كل دول الجوار من دون استثناء ويتوسل إليهم صاحب النموذج المصدر من وراء البحار لتقديم المساعدات اللازمة للخروج من المستنقع أو «الورطة» التي بدا أنه غرق فيه أو فيها حتى قمة رأسه.
ولبنان الذي بُشر بثورة أرز تبدأ في تحقيق السيادة والاستقلال والحرية للبنانيين أولاً في إطار مقدمة قال عنها الرئيس بوش تبدأ من بيروت ليصل صداها وفعلها وتأثيرها إلى دمشق وطهران من أجل صناعة «شرق أوسط جديد» بات هو الآخر اليوم يتخبط في مواجهات سياسية بدأت تتجه شيئاً فشيئاً إلى ما يشبه أجواء انتفاضة جديدة على «انتفاضة الأرز».
وأقرب ما يكون إلى أجواء الثورة الشعبية التي حصلت في العام 1958م ضد ما عرف وقتها «بحلف بغداد»، الثورة التي أخرجت في حينها الأسطول السادس الأميركي، وهو ما يبشر به اللبنانيون اليوم بأنهم سيسقطون ما يسمونه بحكم القناصل والسفارات أو «حكم فيلدمان» أي حكم السفير الأميركي لدى لبنان.
لا شيء في المنطقة يُشبه ما كان يعد به الأميركيون قبل ثلاث سنوات، ورياح التغيير تتجه لغير صالح اتجاه بصولتهم، والأنباء التي ترد من واشنطن تفيد بأن الإدارة الأميركية مقبلة على «قبول» هذه التغييرات على مضض وعلى مراحل لأن ميزان القوى الداخلي والخارجي لم يعد يسمح بغير الإذعان للحقيقة المرة التي بدأت تطفو على السطح، ألا وهي فشل مشروع تصدير الحريات والديمقراطيات بوسائل حربية استباقية تقوم في أساسها على الخداع والتضليل والمعلومات المضللة والخاطئة على أقل تقدير.
لقد ثبت خلال السنوات الثلاث الماضية بأن القادم من وراء البحار بعيداً لا يعرف نسيج المنطقة ويجهل آليات التغيير فيها، فضلاً عن أنه لا يفقه لا في تشخيص الداء ولا في تدوين نسخة العلاج.
وأما المنبهرون به من أهل بلدتنا فإنه آن الأوان ليخلصوا إلى النتائج المرجوة قبل فوات الأوان، وهي في حدها الأدنى بأن التغيير والإصلاح غير ميسر إن لم يكن شبه مستحيل من خلال الاستقواء بالخارج أياً تكن النوايا صالحة أو مصلحة أو نبيلة.
وكما قال المصلح الكبير المهاتما غاندي يوماً فإنك عندما تقابل ريح التغير فإن عليك أن تفتح شبابيك دارك لها «بقدر» حتى تتمكن من السيطرة عليها بالقدر المطلوب والمناسب، فلا تغلقها لتختنق ولا تفتحها كلياً لتطيح بكل ما تملك من مقومات فتفقد ملوماً مهزوماً.
إن الأنباء المتواترة التي تتحدث عن اجتماعات تفصيلية مطولة قام بها أعضاء لجنة بيكر ـ هاملتون الأميركية مع أطراف عديدة من بينها رسميون إيرانيون وسوريون كبار من أجل تسهيل الخروج «المشرّف» لأميركا مما بات يسميه كوفي عنان بـ «فخ العراق».
والتحركات الإقليمية المكثفة هذه الأيام لإنقاذ العراق من احتمالات «حرب أهلية» أكثر اشتعالاً مما عليه الآن، وكذلك التحولات الكبرى التي تنتظر لبنان على حساب نفوذ واشنطن وحلفائها من العواصم الغربية تؤكد جميعاً بأن الرياح بدأت تجري في بلادنا على غير ما تشتهي سفن أميركا.
طال الوقت أم قصر في عملية التغيير هذه فإن القدر المتبقي منه هو أنه واقع لا محاولة، وأن المنطق أمام استضافات جديدة تكون فيها طهران لاعباً أساسياً ويكون لدمشق حظ وافر فيها، وهو ما لم تكن تتمناه واشنطن لهما، بل كانت تخطط لإخراجهما تماماً من اللعبة.
كاتب إيراني