لا ينبغي أن نتوقف عن مناقشة الأوضاع المأساوية التي نساق إليها إذا استمرت الأوضاع التي يتقرر فيها مصير المنطقة في ظل الغياب العربي. قلنا ذلك من قبل أن تبدأ الهجمة الأميركية العسكرية المباشرة على الأرض العربية، ونقوله الآن والهزيمة الأميركية في العراق قد أصبحت أمراً واقعاً، والخروج من «الفخ» الذي دخلت فيه القوات الأميركية قد أصبح الهدف الذي يتفق عليه الجميع في واشنطن حتى وإن اختلفت السيناريوهات وتفاوتت التوقيتات.

ستخرج أميركا من العراق، ولكنها ستتركه وقد أصبح مزرعة للإرهاب والطائفية والحروب الأهلية التي ستقود إلى التقسيم، ومن ثم عشرات السنين من الحروب التي تستنزف طاقة العراق وثرواته المستقبلية بعد أن تبددت ثرواته وطاقاته على مدى السنوات الماضية والتي كانت كفيلة بتحويله إلى قوة إقليمية لها شأنها.

و ستفشل مخططات أميركا في لبنان، ولكنها ستترك لبنان على شفا الحرب الأهلية، وستواصل العمل (مع إسرائيل) لمنع الهزيمة العسكرية التي لحقت بالجيش الإسرائيلي في حربه العدوانية على لبنان من أن تتحول إلى بداية (لابد أن تكتمل) لانحسار وهم القدرة العسكرية الإسرائيلية على تنفيذ ما يوكل لها من مهمات لكسر الإرادة العربية وإبقائها في وضع العاجز عن تحقيق النصر واستعادة الوعي بقدرتها على القتال والصمود واستعادة الأرض المسلوبة والحقوق المغتصبة.. هذا الوعي الذي غاب مع إجهاض نتائج حرب 73 وضرب التحالف العربي الذي خاضها.

قضيتنا التي ينبغي أن ننشغل بها هي عجزنا عن تحويل الهزيمة التي تلحق بأعدائنا إلى انتصارات لنا، والأسوأ أن هزيمة العدو تتحول إلى «مشكلة » عربية، بينما قوى أخرى في المنطقة ومن خارجها تجني الثمار وتحاول أن تضع نفسها في موضع يشارك في تقرير مصيرنا في ظل الغياب الكامل أو الحضور الشرفي للعرب.

بالطبع هناك جهود عربية للتعامل مع مشاكل المنطقة. وقد شاهدنا خلال الأيام الماضية مصر وليبيا تشاركان السودان وأطرافاً أفريقية البحث عن مخرج للأزمة في دارفور. وفي نفس الوقت هناك جهود تشارك فيها أطراف عربية لمنع القوى المختلفة من الانجرار للحرب الأهلية في لبنان.

وكذلك الأمر على الساحة الفلسطينية سواء لمنع الاقتتال الداخلي أو لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية أو لتنفيذ القرار الذي أصدره مجلس الجامعة العربية بكسر الحصار المفروض على أراضي السلطة الفلسطينية، وأخيرا كان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وبغداد بعد ربع قرن من القطيعة.

دفع البلدان ودفعت الأمة العربية كلها ثمنها غالياً.. ومازالت تدفع حتى الآن، لكن المشكلة أن هذه الجهود لا تنظمها استراتيجية عربية واحدة، ولا تقودها رؤية شاملة تسعى لتحقيق المصلحة العربية ولا تخضع لقيادة تملك القدرة على اتخاذ القرار الذي يعبر عن إرادة عربية واحدة ولا حتى عن مصالح قطرية لا تتصادم مع بعضها.

كم كان الموقف سيكون مختلفاً لو أننا حشدنا الجهد العربي كله وراء كل تحرك في إطار اتفاق على المبادئ الأساسية التي لم يعد عليها خلاف (أو هكذا ينبغي أن يكون الموقف) في ظل المخاطر التي كان البعض يتوهم أن أحداً في الوطن العربي يمكن أن يكون بعيداً عنها ، فلا خطر الإرهاب بعيد عن أحد،ولا خطر الفتنة الطائفية والحروب الأهلية.

ومخطط التقسيم والتفكيك وإشاعة الفوضى قد يكون خرج عن سيطرة من جاؤوا به مع الغزو الأميركي والذين كانوا يتصورون أن الفوضى (الخلاقة !!) التي تتم تحت سيطرتهم ربما تفتح أبواباً للأفضل (من وجهة نظرهم) وربما تأتي بأوضاع تحقق المصلحة الأميركية لسنوات طويلة قادمة. الآن تنهزم السياسة الأميركية وتحاول واشنطن الخروج دون هزيمة فيتنامية، ولكنها تترك لنا الأسوأ بمخططاتها من أجل التقسيم والتفكيك والفوضى تتسلمها قوى ظلامية تجر المنطقة إلى المجهول، وربما إلى الكارثة.

نعم.. هناك جهود تبذلها دول عربية، أحيانا تنسجم حركتها وأحيانا تتضارب.(أو هكذا في الغالب) فتكون النتيجة صفراً كبيراً. وحتى عندما يأخذ الله بأيدينا ونتخذ قراراً نتفق عليه في إطار الجامعة العربية فإن النتيجة لا تختلف كثيراً. وفي الآونة الأخيرة كان هناك تحركات هامة في إطار الجامعة بعد الحرب على لبنان.

وبعد الظهور العربي الموحد في مجلس الأمن. بعدها أردنا أن نواصل الطريق فذهبنا إلى مجلس الأمن نعرض القضية الأساسية وهي قضية فلسطين، وكانت النتيجة صفراً كبيراً لأننا تناسينا أن ما حدث من إيجابية في التحرك الذي أثمر التعديلات على القرار 1701 كان يرجع إلى ما يحدث على الأرض اللبنانية.

وأن هزيمة المخطط الإسرائيلي - الأميركي على أيدي المقاومة اللبنانية هي التي فرضت التعديلات، وهي التي أكسبت الظهور العربي الموحد قيمته، وهو الأمر الذي غاب بعد ذلك فعاد العرب من الجلسة الاستثنائية التي طلبوها من مجلس الأمن بخفي حنين.. أو بدون شيء على الإطلاق، وتحركت الجامعة العربية أخيراً في مواجهة العدوان الإسرائيلي الوحشي على الشعب الفلسطيني، وأصدرت عدة قرارات منها الدعوة لمؤتمر دولي لبحث التسوية العادلة للقضية الفلسطينية ثم الأهم وهو كسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني.

الدعوة للمؤتمر الدولي رفضتها أميركا وإسرائيل وحتى الفلسطينيين أنفسهم لم يأخذوها مأخذ الجد، لكن كسر الحصار في أيدينا، ورغم أن هذه الخطوة كان المفترض أن تتخذ من اليوم الأول لإعلان أميركا حصارها على الشعب الفلسطيني حتى لا تتحول الحكومات العربية ـ كما حدث ـ إلى شركاء في الحصار.

ورغم أن العديد من الدول العربية وافقت على القرار باعتباره تحصيل حاصل بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وما ستؤدي إليه من رفع الحصار، فإن أميركا سارعت بربط رفع الحصار بالخضوع لشروط الرباعية، وتعطلت جهود تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وهنا يثور السؤال : هل تفعل الدول العربية قرارها حتى إذا عارضت أميركا؟ أم سيتم تجميد القرار وربطه بتشكيل الحكومة المرتبطة أيضا بشروط الرباعية التي هي شروط أميركا ؟

وتتوالى الأحداث في المنطقة والكل يريد تأمين مصالحه في ضوء الإقرار الأميركي بالهزيمة في العراق وفي ضوء أزمة الكيان الصهيوني بعد هزيمته في لبنان، وفي ضوء الأزمة العربية الأشد.

يتحرك بلير في محاولة لتغطية الانسحاب المتوقع من العراق بتسليط الأضواء على فلسطين والإقرار بأنها القضية الأساسية دون أن يقدم شيئاً واضحا. وتتحرك أوروبا من خلال فرنسا وأسبانيا وإيطاليا باقتراح المؤتمر الدولي وبدلاً من أن يتلقفه العرب ويبدأوا حركة نشيطة لمحاصرة أميركا وإسرائيل، تبدو العديد من الأطراف العربية وكأنها سجينة القرار الأميركي.. بما في ذلك أطراف أساسية في السلطة الفلسطينية.

وتذهب سوريا إلى العراق وتعود العلاقات الدبلوماسية، وهي خطوة هامة كان يمكن أن تتضاعف أهميتها لو تمت في إطار عربي شامل، ولو ذهبت الدول العربية إلى بغداد معاً، أو لو تم اللقاء المرتقب بين الرئيسين السوري والعراقي في مقر الجامعة العربية، ولو كانت التوقعات تتحدث عن قمة تحضرها (مع سوريا والعراق) مصر والسعودية، بدلا من أن يقتصر الحديث على قمة ثلاثية بين البلدين الشقيقين وإيران، وبغير أن توضع هذه الخطوة الهامة في إطار عربي أوسع وأشمل !

وما أتحدث عنه هنا ليس الدور الإيراني، بل «اللادور» العربي! فإيران طرف أساسي في قضايا المنطقة ومن حقها أن تسعى لترسيخ وجودها كقوة إقليمية كبيرة، ومساعداتها لقوى المقاومة العربية أمر إيجابي، وكان يمكن لهذا الدور أن يكون أكثر إيجابية لو كان يتعامل مع قوة عربية موحدة لها إستراتيجيتها ومواقفها الأساسية وقادرة على ملء «الفراغ» الاستراتيجي الذي يتسابق الجميع للتعامل معه..

فأميركا رغم الهزيمة تتشبث بمواقفها، وأوروبا تتقدم لتحافظ على مصالحها، والقوى الإقليمية تثبت أوضاعها : إسرائيل تمضي في سياستها التوسعية العدوانية مدركة أن تأييد الديمقراطيين في أميركا لا يقل (بل ربما يزيد) على تأييد الجمهوريين، وإيران تسعى لترتيب الأوضاع في العراق وخارجه وإنهاء الأزمة النووية بما يثبت أوضاعها كقوة إقليمية كبرى.

وتركيا ليست بعيدة عن المشهد خاصة مع الاستقلال الواقعي لكردستان العراق وما يمثله لأغلبية الشعب الكردي في تركيا ومع التنافس التاريخي بين إيران «الشيعية » وتركيا التي مازال البعض فيها يتذكر أنها كانت مقر «الخلافة الإسلامية » وهو اتجاه يجري تشجيعه من أطراف أوروبية ترفض إدخال تركيا للاتحاد الأوربي وتريد إعادتها نحو الشرق.

قبل خمسين عاماً، ومع أفول شمس الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، أطلق الرئيس الأميركي وقتئذ الجنرال ايزنهاور رؤيته عن وجود «فراغ » في الشرق الأوسط لابد أن تملأه أميركا قبل ان يسيطر السوفييت والشيوعيون على المنطقة، وأطلق ايزنهاور ورجاله في المنطقة لربطها بأحلاف عسكرية مع أميركا، وخرجت الجماهير في العواصم العربية تستقبل المبعوثين الأميركيين بهتاف شهير:

ايزنهاور لم ناسك

فتش ع الفراغ براسك

يومها كان العرب يملكون ما يفتقدونه اليوم : رؤية استراتيجية لوطن عربي مستقل، وحركة قومية تناضل من اجل تحقيق هذا الهدف، وقيادة تثق في الجماهير وتثق الجماهير بها، ولاشك أن الظروف تختلف الآن. ولكن كل ما يجري على الأرض العربية يؤكد أن العجز العربي هو المشكلة.

وأن المظلة العربية وحدها هي القادرة على إنقاذ الموقف، وأن البديل هو الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية، واستدعاء التدخل الأجنبي، وربما تقسيم الوطن العربي إلى مناطق نفوذ كما كان الحال قبل الاستقلال.هل نؤذن في مالطا ؟ ربما.. ولكننا لن نتوقف عن رفع الآذان حتى تقيموا الصلاة.