الحراك الذي يشهده الوطن اليمني هذه الأيام لاشك وأنه الذي يتركز بشكل دقيق على الهم الاقتصادي وسبل النهوض ببرامج التنمية وتوفير واقع معيشي أفضل للمواطنين، خاصة بعد أن صارت هذه القضايا تمثل تحديات تطرح نفسها بقوة على اليمن كما هو شأن دول العالم الثالث التي تعاني من محدودية الموارد والإمكانيات التي تسمح لها بتفادي مؤثرات تلك التحديات على آلياتها وخططها وبرامجها الآنية والمستقبلية.

وانطلاقاً من هذه الحقيقة جاء إدراك القيادة السياسية بزعامة الأخ الرئيس علي عبدالله صالح- رئيس الجمهورية- بأهمية تعزيز الشراكة مع الدول الشقيقة والصديقة وفي مقدمتها دول الجوار في مجلس التعاون الخليجي التي تجمعنا بها أمومة الجغرافيا ورابطة الدم والعقيدة والتاريخ والمصير الواحد، وهو المسعى الذي اقترن وتلازم- أيضاً- مع تطوير قنوات التواصل والتعاون مع سائر البلدان بما يخدم المصالح المشتركة ويعود بالمنفعة المتبادلة على اليمن وتلك الدول.

ولعل ما تحقق من نتائج إيجابية كثمرة لهذا النهج الحكيم يستدعي من كافة القوى السياسية والحزبية تعاطياً مسئولاً وحضارياً تنتفي منه لغة الكيد ومنطق التشكيك وكذا المناكفات الإعلامية التي أضحت إحدى السمات المعيقة لأداء الأحزاب السياسية في بلادنا، بعد فهم البعض منها- للأسف الشديد- أن دورها يتوقف على التشكيك في كل ما يقوم به الحزب الحاكم وحكومته والتنكر لأية خطوة يخطوها من أجل الارتقاء بالأوضاع الاقتصادية وضمان الاستقرار المعيشي للمواطنين.

حيث أن الاستمرار في هذه العادة قد حل بديلاً عن تكاملية المسئولية وتضامنية الشراكة التي تبدو فيها السلطة والمعارضة رديفين يكمل كلّ منهما الآخر عن طريق قيام الحكومة بتنفيذ برامجها واضطلاع المعارضة بالنقد الموضوعي لجوانب القصور التي قد تظهر في أعمال الحكومة.

ونعتقد أننا بحاجة اليوم إلى إعادة تقويم خطابنا وسلوكنا، بل والرؤية التي نتعاطى بها مع واقعنا وتحولاته وصولاً إلى إحلال التناغم في الخطاب والسلوك والرؤية وبما يجسد نضوجاً في الوعي الديمقراطي والسياسي والاجتماعي والاستيعاب الراقي لتكاملية الأدوار والتي لا تترسخ إلا في ظل العمل الجماعي والثقة، والحرص على مصلحة الوطن وجعلها فوق مصلحة الحزب أو أي مطمح ذاتي.

ونجد أن من مصلحة المعارضة التخلص من ثقافة التشكيك خاصة وكل الشواهد تؤكد على أنه ليس هناك معارضة في العالم تختزل دورها في الحياة السياسية بالتشكيك الجزافي وغير المحدد.

وحتى لا يقال أننا نتجنى على أحزاب المعارضة فإننا نورد هنا بعض الأمثلة التي تستدعي من هذه الأحزاب إعادة النظر في تعاملها مع القضايا الوطنية.

ومن تلك الأمثلة ما أظهرته بعض أحزاب المعارضة عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية والمحلية، إذ أنها وبدلاً من أن تسارع إلى البحث عن الأسباب التي أدت إلى خسارتها للانتخابات، فقد اتجهت لتغطية ذلك الفشل بالتشكيك بنزاهة الانتخابات وعلى النحو الذي بدا مغايراً لما طرحه كافة المراقبين الدوليين الذين شاركوا في الرقابة على هذه الانتخابات والذين لم تتوقف شهاداتهم عند التأكيد على نزاهة وشفافية الانتخابات، بل إنهم الذين رأوا فيها أنموذجاً متقدماً سيسهم بشكل كبير في ترقية العملية الديمقراطية في العالم العربي.

وهو ما ينطبق على مواقف أحزاب المعارضة من ذلك النجاح الذي خرج به مؤتمر المانحين الذي انعقد في منتصف الشهر الحالي في لندن.

وتتكرر هذه الصورة- أيضاً- في الأطروحات التي تُتداول من قبل تلك (المعارضة) بشأن تعديلات قانون الإدارة المحلية حتى وقبل أن يعلن عنها، ليتأكد تماماً على أن مثل هذا الخطاب أصبح يعيد إنتاج نفسه بين كل فترة وأخرى.

ولا ندري ماذا يمكن أن تجني المعارضة من وراء هذا الخطاب التشكيكي الذي استشرت ثقافته على نحو جعل هذه الأحزاب عالقة في شرنقته.. مع أنه يفترض بها أن تتبنى خطاباً وطنياً عقلانياً يُعبر عن هموم وتطلعات الشعب وآفاق التطور التي تنتقل بالوطن إلى واقع أكثر تقدماً وحداثة وازدهاراً.

وبكل تأكيد فإن مكانة وحضور أي حزب ستظل مرهونة بمدى قدرته على طرح الرؤى والأفكار التي تساعد على إنجاز أهداف البناء وكذا تفاعله مع التوجهات التي تُبرز وجه اليمن الحضاري أمام العالم.

كما أن أي معارضة لا يمكن لها أن تنجح في كسب ثقة الجماهير دون أن تنصهر في بوتقة العمل الجماعي ودون أن تتسلح بالإدراك العميق من كون المعارضة ليست نقيضاً أو خصماً للسلطة وإنما هي شريك أساسي في النهوض بالوطن وخدمة الناس وتحمل مسئوليات بناء اليمن الحديث والمزدهر.