يظل حمام الدم القائم في العراق بلا هوادة مدعاة للألم ليس لأهل العراق وحدهم بل لكافة العرب والمسلمين والمجتمع الدولي، لذلك فإن هذا الشعور بالألم يجب ان ينتقل بشكل او آخر الى هؤلاء الذين يخططون ويديرون عمليات القتل على الهوية الذي طالما حذر منه الكثيرون ، ونحن منهم فكثيرا ما نبهنا وأشرنا وحذرنا من خطورة ان ينجر العراقيون الى أتون القتال الأهلي والمذهبي والمناطقي، لكن يبدو ان هناك قوى داخل العراق لها قدرة هائلة في التأثير على مجريات الأمور بحيث تحجب كل الدعوات الى التزام العقل والتريث كلما وقعت كارثة مصطنعة ومحاكة بإحكام كي تحافظ على جريان نهر الدم الذي يفيض كل يوم بدم العراقيين ويذهب بأرواحهم على نحو مذهل.
يعلم العالم ان ايدي اجنبية تعبث بأمن العراقيين وان الاحتلال يذكي نار العداوة والفتنة بين ظهرانيهم، لكن بالمقابل هناك اصوات في الداخل والخارج تناشد من اجل التزام التعقل وعدم المبادرة بعد كل فعل الى رد فعل يجر هو بدوره رد فعل آخر، وهكذا يغرق العراقيون شيئا فشيئا في المستنقع الدموي وسط صيحات بالاتهامات ، فهذا من (الرافضة) ويستحق الموت كما تنادي بعض الاصوات المشبوهة ومنها ما يسمى بـ(القاعدة) وذاك من (التكفيريين) ينبغي ان يموت ايضا، والنتيجة ان يصل الشعب العراقي الشقيق الى ما وصفه رجل من العراق امس حيث قال باكيا ان المسلحين سحبوا اطفاله وسكبوا عليهم الزيت وأحرقوهم أحياء.
ان الحقيقة التاريخية تؤكد ان الكثيرين من العراقيين رحبوا في البداية بالاحتلال الأجنبي حتى يخلصهم من واقع مؤلم، وما ان انتهى الاحتلال من القضاء على النظام السابق حتى انقلب ليقضي على ما جاء تحت راية خلاصه، لكن الذي نراه ما هو الا خلاص الأجساد العراقية من ارواحها البريئة، وينبغي ان يكون لدى بعض هؤلاء العراقيين ـ وبينهم قادة وسياسيون ـ الشجاعة ليعترفوا انهم اوقعوا انفسهم في الشراك الخداعية برضاهم. وقد بادر رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي الى الاعتراف بالحقيقة المأساوية ، بأنه لم يكن يتوقع ان يصل حال العراق الى ما وصل إليه الآن بسبب الغزو الاجنبي.
ولكن..ماذا يفيد البكاء على الدم المسفوك؟ ان ما يفيد العراقيين اليوم ان يتحمل قادتهم السياسيون المسؤولية بشجاعة ويتخذوا اجراءات حاسمة لوقف نزيف الدم، وتقديم المجرمين الذين يرتكبون هذه الفظائع الدامية الى المحاكمة وإزالة الحماية عنهم وكشف وجوههم الى الرأي العام العراقي والدولي، فرغم وضوح خيوط بعض الاعمال الإرهابية التي تم ارتكابها في شكل خطف او قتل او كليهما معا الا ان التعتيم يعود فيفرض على المذبحة ومرتكبيها، وهو الأمر الذي يزيد الشكوك حول جدية بعض السياسيين العراقيين في التخلي عن نوازع الثأر الذي يجرفهم اليوم الى مهالكهم وهم معصوبو الأعين، وليس بالضرورة ان يقع العراقيون في حرب اهلية تدوم عشر سنوات على غرار الحرب الأهلية اللبنانية في عقد السبعينيات من القرن الماضي حتى يتعلم القادة الحذر الشديد من التستر على الأعمال الإرهابية.
واذا كان لنا ان نحذر من شيء آخر فهو ذلك الغرور الذي يهيمن على بعض الأطراف في بعض الاحيان فيظن انه بمنأى عن النيل منه فيتمادى في تحريضه الآخرين على الشر، لكن قصر النظر غالبا ما يعمي هؤلاء المغرورين الى ان تنكشف سوأتهم ويدفعون ثمن اخطائهم باهظا. اما نحن فلا نملك من بعيد الا ان نتمنى ونأمل ونبتهل الى الله ان يحمي العراق ومن تبقى من شعبه الشقيق (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) صدق الله العظيم.