شكلت الجريمة البشعة التي أودت بحياة وزير الصناعة اللبناني بيير الجميل، مادة دسمة للفريق الشباطي انطلق منها في هجوم مضاد شرس على المعارضة، في مسعى لقطع الطريق على تحركها المعلن مسبقاً الذي يرمي إلى إعادة الأمور إلى نصابها، وتفويت الفرصة على أصحاب الفتنة ومثيري النعرات الطائفية وأدوات المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة.

كانت الاتهامات جاهزة كالمعتاد، ولم تتطلب إلاّ ثواني معدودات، وكان الهجوم على المعارضة مباشراً ومن دون مواربة ولف ودوران، حتى إن الشباطيين المفترض أنهم مسؤولون عن أمن البلاد والعباد، فضلاً عن أنهم مسؤولون عن حماية الوزراء والنواب والسياسيين، تناسوا الجريمة التي ارتكبت في وضح النهار، واستلّوا سيوفهم وخناجرهم المسمومة في محاولة لتقطيع أوصال المعارضة والنيل منها ووضع العراقيل في طريق تحركها الذي كان سيبدأ مع وقوع جريمة اغتيال الجميل، وذلك لإسقاط الحكومة ذات اللون الواحد، وتشكيل حكومة اتحاد وطني تمثل كل أطياف اللبنانيين تكون قادرة على إخراج البلاد من مأزقها، ووضع قانون انتخاب جديد منصف وعادل يعطي اللبنانيين كافة حقوقهم كاملة في إدارة شؤون بلدهم ومنع تفرد فئة ضالة ارتضت الانخراط في مشروعات خطيرة لا تخدم لبنان والقضايا المصيرية للأمة العربية، بل على العكس من ذلك، فهي تخدم المشروعين الأميركي والإسرائيلي. ‏

ليس استنتاجاً القول، إن القوى الشباطية هي المستفيدة الأولى من عملية الاغتيال الأخيرة كما أنها المستفيدة من كل العمليات الإرهابية من اغتيالات وتفجيرات وإرهاب، وإن جريمة اغتيال الجميل أريد لها كهدف مرحلي إحباط تحرك المعارضة كما أريد لها على المدى الأبعد أن تكون الشرارة التي تشعل فتيل فتنة طائفية، وضرب تحالف المعارضة وتأليب فريق منها على فريق آخر، أو على فرقاء ينتمون إليها. ‏

إن ما يدعو إلى السخرية والاستهجان أن يوجه الشباطيون أصابع الاتهام في الجرائم التي شهدها لبنان، في وقت لم تستطع فيه الحكومة وأجهزتها من الإمساك بخيط واحد قد يفضي إلى كشف الحقيقة التي أضحت هي أول ضحايا الفريق الحاكم في بيروت المستقوي بالخارج والمسيّر من قبل السفراء. ‏

فكيف توجه الاتهامات ذات اليمين وذات اليسار في الوقت الذي تبدو فيه الحكومة أول المتهمين في التقصير عن حماية الأمن وعدم قدرتها على الكشف عن أي من الجرائم التي ارتكبت؟ وكيف يتهمون الحكومة السابقة بالمسؤولية عن اغتيال رفيق الحريري، وينسون أن أربع عشرة جريمة ارتكبت في ظل حكومة الشباطيين؟ ‏

المأساة أن بيير الجميل ومن سبقوه على طريق الاغتيال، دفعوا دماءهم ثمناً لمشروع أميركي، ولتعطش فريق من الأغرار والمخضرمين إلى السلطة، لكن الحقيقة آتية لا ريب فيها، وعندها ستسقط هذه الفئة في فخ حاولت أن تنصبه لغيرها.. وعندها لن ينفع الندم، والتاريخ لن يرحم. ‏