موجة التفجيرات المتزامنة التي هزت بغداد يوم الخميس وتسببت في مقتل أكثر من 200 مواطن عراقي هي جريمة بكل المقاييس ولا يمكن تبريرها بأي منطق سياسي أو طائفي ، فهي كانت عملية استهداف وحشية وعشوائية لمجموعة من المواطنين الأبرياء بقصد إيقاع أكبر قدر من الخسائر في الأرواح وفي النفسيات والعقول والمشاعر.
تحقق الهدفان من العملية الإجرامية ، فعدد الضحايا كبير جدا وموجة الغضب التي نتجت عن هذا التفجير تحولت إلى عمليات استهداف لمساجد العراقيين السنة والأحياء السنية في بغداد ، ولولا فرض حظر التجول لكانت ردة الفعل المضادة لهذا التفجير أكثر ولكن من المتوقع أن تظهر مشاعر الغضب والحقد المضاد في سلسلة جديدة من الاغتيالات والهجمات في الأيام القادمة.
ليس مفيدا ابدا الدخول في سجال حول مسؤولية اي طرف في هذه السلسلة من الجرائم الوحشية التي تأخذ الطابع الطائفي ، لأن كل جريمة يمكن تبريرها بأنها رد فعل لجريمة سابقة ، ولكن المسؤولية الأكبر لا تقع على عاتق الناس الغاضبين الذين ينشدون الثأر بقدر ما تقع على عاتق مجموعة من الساسة العراقيين الذين جعلوا التفرقة الطائفية عنصرا اساسيا في خطابهم السياسي لاجتذاب المؤيدين.
ان معظم الأحزاب والتيارات السياسية العراقية حاليا تعتمد على الخطاب الطائفي وكلها أنشأت تنظيمات وميليشيات هدفها الأساسي ارتكاب الجرائم تجاه الطائفة الأخرى ، وللأسف فإن مؤتمر مصالحة القيادات العراقية الذي عقد في مكة المكرمة في ليلة القدر من شهر رمضان الماضي ، لم تتم ترجمته إلى فعل من الاحتكام للمنطق والعقل والأخوة الإسلامية ، بل تزداد الأوضاع سوءا ويزداد تأثير القيادات الطائفية على القرار العراقي.
من المفيد أن تكون هناك تصريحات تدعو إلى التهدئة والتماسك في أعقاب الجريمة الأخيرة من مختلف القيادات ، ولكن من الضروري ألا تبقى هذه التصريحات في إطار "درء المخاطر المحتملة" أو تسجيل مواقف لا يقتنع بها من يقولها ، ولكن يجب أن تكون هناك مبادرات حقيقية لتجريم ورفض وإدانة كل أشكال العنف والقتل الموجه للمدنيين والمواطنين العراقيين.
لا بد أن يكون هناك وضوح تام في التمييز ما بين المقاومة العراقية النبيلة وميليشيات الإرهاب التي تسللت إلى التيارات السياسية السنية وتحاول فرض فكرها التكفيري والإرهابي ، كما أن التيارات السياسية الشيعية يجب أن تمثل قدوة لكوادرها غير المنضبطة في الرفض التام لاستهداف المواطنين السنة ، وبدون إصدار بيان مشترك قابل للتنفيذ والالتزام ضد الإرهاب واستهداف المدنيين يوقع عليه السيستاني والصدر والضاري: فان من الصعب تخيل إيقاف هذا المسلسل المخيف من الإنحدار نحو حالة من الثأر والكراهية الطائفية ، التي باتت تمتد إلى كافة المجتمع العراقي.
قادة الدول يتحملون مسؤولية بناء هذه الدول وليس تدميرها ، والقادة السياسيون الكبار يتحملون مسؤولية التفكير بحجم بلد عظيم مثل العراق وليس الانكفاء في الأطر الطائفية الضيقة ، وأي مشروع للمقاومة والنضال ضد الاحتلال لا بد أن يشمل ايضا كل الوطن العراقي ويقدم مشروعا وطنيا للمصالحة والوحدة وليس مقاومة مبنية على تعصبات طائفية ، وبالرغم من كل المؤشرات السلبية فإن المسؤولية تقع على قادة السياسة العراقية في تجاوز الأزمة الطائفية والسيطرة على التيارات والتنظيمات والميليشيات المنفلتة والمتعصبة والخائنة ، التي تريد تقسيم العراق وفتح الباب أمام حرب أهلية طائفية مدمرة.