لم يعد الزحام في دبي أمراً لافتاً فقط، صار شغل الناس الشاغل وحديث مجالسهم، وأول موضوع يبدأون به لقاءاتهم.. فعندما تتفق مجموعة من الأصدقاء أو أعضاء مجلس إدارة إحدى المؤسسات أو الجمعيات على اللقاء بعد ساعات الدوام فإن 70% من العدد سيصل متأخراً حتماً، وعندما يبدأ أصحاب الاجتماع بالحضور تباعاً متأخرين عن موعد الاجتماع، تكون أول جملة ينطق بها كل واحد منهم بعد السلام عليكم: «الزحام يا إخوان.. الزحام لا يطاق»!!

الجميع يأتي إلى موعده متأخراً، ليس بإرادته، وليس لأن الناس لا تحترم المواعيد، ولكن لأن الشارع ووضع المرور ما عاد يحترم شيئاً في البلد، لا صحة الناس ولا أعصابهم ولا مواعيدهم ولا أي شيء، الزحام هو صاحب الكلمة الأخيرة وما علينا سوى الرضوخ والبحث عن خيارات أخرى (نسلي) أنفسنا بها خلال ساعات الذهاب والإياب في أي مشوار نقطعه.

إن الحملة المرورية الصارمة التي تنفذها شرطة دبي وهيئة الطرق باجتهاد وهمة عاليتين، قد تقود إلى التخفيف من حدة التهور والطيش، كما قد تحقق ولو لبعض الوقت شيئاً من الالتزام بآداب المرور خوفاً من العقوبات والتشهير الإعلامي، وقد تقبض على المخالفين وتزج بسياراتهم الفارهة وتلك المنتهية صلاحياتها إلى ما وراء أسلاك الحواجز، لكن إلى متى؟ والسؤال الأهم: هل ستتمكن هذه الإجراءات الصارمة كما يسمونها من تخفيف الزحام في شوارع دبي الرئيسية وغير الرئيسية؟

نتمنى من الإخوة في الشرطة وهيئة الطرق أن يعتمدوا إجراءات قانونية صارمة وثابتة وطويلة الأمد لإقرار الالتزام التام بقواعد المرور حفاظاً على سلامة الأرواح والممتلكات، وللخلاص من هذا الرعب الجاثم على صدور الجميع، وكأنه لا أمل، مع أن هناك من التجارب التنموية الشبيهة بتجربتنا ما يمكن الاستفادة منه فيما يتعلق بضوابط الأمن والسلامة في الطرقات ومكافحة الزحام، كتجربة سنغافورة مثلاً فهذا البلد يمتاز بما يقدمه من تسهيلات استثمارية للأجانب وبشكل لا يمكن تخيل مدى تهاونه، ومدى استقطابه للأجانب مع ذلك فسنغافورة لا تعاني من زحام ما كما نعاني نحن والسبب الكوابح الصارمة التي وضعتها السلطات للحد من تملك السيارات الخاصة، واستخراج رخص القيادة!

هناك مناطق حددت فيها السلطات عدد السيارات، برقم معين لا يمكن تجاوزه إلا بشق الأنفس، هناك جزر غير مسموح بقيادة السيارات فيها، هناك إجراء صارم بدفع ضريبة على ملكية السيارة تصل إلى 100% من قيمتها، وهناك إجراءات أخرى، أما عندنا فالفوضى تضرب أطنابها في مجال تملك السيارات الخاصة، وسهولة الحصول على رخصة القيادة.

إن الضريبة التي تدفعها البلاد من جراء الزحام كبيرة جداً، على صعيد الأعمال والصحة العامة والبيئة، ومستوى الالتزام بقواعد المرور، وسلامة الحياة العامة، ومناخ الحياة الاجتماعية، وقدرة الفرد على الاستفادة من الخدمات الثقافية والترويحية...إلخ. إن أفراد المجتمع بدأوا يفقدون حياتهم الاجتماعية وتفاعلهم وحراكهم الإنساني بسبب كارثة الزحام، ولابد من علاج سريع قبل أن يفلت الزمام تماماً، فمصلحة المجتمع قبل مصلحة التجار والمنتفعين.

sultan@dmi.gov.ae