يسود الشارع العربي حالياً نوع من الخوف والحذر خشية أن تقود الأزمة السياسية اللبنانية الراهنة إلى حرب دموية أهلية تعيد لبنان إلى تلك الأيام المريرة التي عاشها في ثمانينيات القرن الماضي، وكانت عنواناً لانتحار جماعي قدم هدية ثمينة لإسرائيل تمكنت خلالها من تعزيز سيطرتها على المناطق اللبنانية التي احتلتها وأطلقت يدها لترتكب مجازر كثيرة لا يمكن للذاكرة العربية أن تنساها.
ومما لا شك فيه أن السنتين الماضيتين ومنذ اغتيال رفيق الحريري تحديداً وإلى الآن شهدت الساحة السياسية اللبنانية تطورات كثيرة ومميزة من أبرزها خروج القوات السورية من لبنان وخروج الدكتور سمير جعجع من السجن بعد فترة اعتقال طويلة، وظهور تيار ميشيل عون وبروز حزب الله كقوة لا يستهان بها على مستوى المنطقة ولاسيما بعد تمكنه من هزم العدوان الإسرائيلي في حرب تموز الماضية، بالإضافة إلى وقوع عدد لا بأس به من الاغتيالات لشخصيات سياسية وإعلامية لبنانية بارزة.
إن هذه الأمور بمجملها وما تحمله من تداعيات أدت بشكل كبير إلى تضييق أفق الحوار بين الفئات اللبنانية المختلفة وكسرت كما يقال توازن المصلحة أو التوافق السياسي القائم على احترام كل طائفة للأخرى وفق ما ينص عليه الدستور، ومع انهيار هذا التوافق الذي بدا واضحاً مع الأزمة الدستورية حول شرعية الحكومة الحالية بعد استقالة عدد من الوزراء احتجاجاً على إقرار مشروع المحكمة الدولية للتحقيق في حادثة اغتيال الحريري ظهرت إلى العلن الخلافات الجوهرية والعميقة في وجهات النظر التي عُبر عنها بشكل علني مؤخراً من خلال مؤتمرات صحافية وخطابات سياسية للفرقاء السياسيين حملت الكثير من التلميحات والتهديدات المبطنة والتوقعات الخطيرة،
كما حدث مع الدكتور جعجع عندما حذر من حدوث اغتيالات لوزراء، لتنقلب التوقعات إلى حقيقة متمثلة باغتيال وزير الصناعة اللبناني بيير جميل بعد فترة قصيرة، كما ضمت هذه الخطابات دعوات كل جهة لمناصيرها للنزول إلى الشارع بمظاهرات ومسيرات للتعبير عن آرائها.
ومن هنا فإن الذين يدعون إلى النزول إلى الشارع ربما يبررون دعواتهم هذه وحواراتهم العلنية التي خرجت عن حدها المحلي لتخرج إلى الفضاء العالمي بأنها ديمقراطية وتحرك ضمن نظام تعدد سياسي، إلا أن هذا التوهم يضمحل ويتلاشى بمجرد معرفة أن الكثير من القوى التي تشكل أقطاب الخلافات الحالية لها ارتباطات مع قوى خارجية أجنبية تعتمد عليها في إبراز قوتها وضمان استمرارها على مواقفها مع أية متغيرات محتملة الحدوث،
فضلاً عن أن هؤلاء الفرقاء لديهم التسلح الكافي الذي ينذر في أية لحظة من لحظات النزول إلى الشارع بفقدان السيطرة واندلاع الصدامات التي تقود للاحتكام إلى نيران البنادق، ليتحول الشارع إلى حمام دم طائفي وليس مسرحاً ديمقراطياً كما هو متوقع، لأن الديمقراطية لم تأت من النزول إلى الشارع أبداً وإنما تأتي من طاولات الحوار المتوازن والهادف وتقريب وجهات النظر المختلفة حول قضية من القضايا وليس التصعيد ودفع المواطنين عاطفياً لارتكاب بعض التصرفات التي تخدم فئة على حساب فئة أخرى.
وبعد كل هذا تظهر على الساحة اللبنانية أسئلة تحتاج إلى إجابة عقلانية لمعرفة المستفيد الحقيقي من التأزم السياسي الحالي والذي قد يضع لبنان على شفير حرب أهلية جديدة، بالإضافة إلى ضرورة التعرف على الأولويات التي يريدها الشعب اللبناني، فهل هي تتركز في المحكمة الدولية التي أقرت بسرعة كبيرة لا تتخيل من قبل مجلس الأمن والتي ستتكلف الحكومة 49% من نفقاتها؟ أم أن العمل على التوحد والإصلاح لإخراج لبنان من أزمته الحالية وإعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي إليه هي الأولوية الأهم؟
الإجابة الحقيقية عن هذه الأسئلة يحددها الشعب اللبناني الذي يعتبر الخاسر الأول والأكبر من التأزم السياسي الحالي والذي يطالب بلسان حاله ومن خلال العقلاء من سياسييه وإعلامييه بحل الأزمات الاقتصادية قبل غيرها من المشكلات العالقة، ويناشد الدول العربية للتدخل ليس لتدعم فئة على حساب أخرى وإنما لتعيد الفرقاء السياسيين إلى طاولة الحوار وتقريب وجهات النظر للتوصل إلى قرارات تحول دون وقوع حرب أهلية جديدة يرى البعض أن بوادرها قد لاحت.
omarb_4@hotmail.com