يبحث وزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر ولجنته المستقلة عن استراتيجية جديدة لتنفيذها في العراق، وسيبدأ المشرعون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي كليهما عما قريب في البحث عن حل وسط للمشكلة المعقدة ذاتها. ولكن فات الأوان بالنسبة لإصلاح الضرر الذي أحدثته طريقة إدارة بوش في خوض الحرب بالنسبة لجيشنا وبحريتنا.
لم يلملم دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي المستقيل أغراضه بعد، والكولونيلات والجنرالات لا يزالون يرقصون طرباً عبر أروقة الكونغرس، ولكن هناك ما ينبغي القيام به، وليس هناك ما هو أهم من إصلاح ما أفسدته الأعوام الأربعة من الحرب في العراق وأفغانستان.
غير أنه لا يزال يتعين على مجلس الشيوخ التصديق على إحلال روبرت غيتس محل رامسفيلد في منصبه، ولكن أياً كانت أخطاء غيتس ـ وهي كثيرة ـ فمن المحتمل أن يحظى بموافقة عاجلة من الحزبين، إذا لم يكن لشيء فلأن رامسفيلد لن يغادر البنتاغون إلا بعد أن يصبح غيتس مستعداً لتولي المنصب.
يجب معالجة مصير الجيش الأميركي والبحرية ومستقبلهما بصورة عاجلة. ويتطلب القيام بذلك سنوات عدة ومليارات عديدة من الدولارات.
إن الولايات المتحدة، التي يدافع عنها قرابة سبعة أعشار من شعبها الذي يبلغ تعداده 300 مليون نسمة، اليوم تكرس حوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي فقط للإنفاق على الدفاع. عندما كان جون كيندي رئيساً للولايات المتحدة، بلغ معدل الإنفاق العسكري 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
تم استنزاف طاقة الجيش، والحرس الوطني والاحتياطي التابع له ـ سيقول البعض تبديد هذه الطاقة ـ عن طريق عمليات إعادة الانتشار غير المتناهية للقوات في دورات خدمة متتالية يستغرق كل منها عاماً إلى العراق وأفغانستان. يتحمل العديد من الجنود وعائلاتهم الآن جولاتهم الثانية والثالثة إلى العراق، متيقنين أن جولات رابعة وخامسة في انتظارهم إذا استمروا في الخدمة.
إن معداتهم بدءاً من دباباتهم من طراز أبرامز إلى العربات القتالية مروراً بسيارات سترايكر المدرعة ووصولاً إلى عربات هامفي والمروحيات، جميعها تتعرض للاهتراء بسرعة أكثر من تعرض الجيوش لذلك. وتكلفة إصلاح وإعادة تأهيل هذه المركبات ـ يقول قائد الأركان بيتر شوميكر أنه بحاجة إلى 17 مليار دولار لذلك حالاً ـ لم تبادر بتقديمها هذه الإدارة والكونغرس المنتهية ولايته.
يقول مسؤولون في الجيش إنهم يفتقرون إلى مبلغ 25 مليار دولار تقريباً للاحتفاظ بالمستويات الراهنة للتشغيل. ولأن ذلك المبلغ غير متوفر، فإنهم كانوا يقومون بعملية تبديل في المخصصات. إن المبالغ التي وضعت في الميزانية من أجل إصلاح أوضاع إسكان العائلات وتشذيب المزروعات وفتح مراكز الاستجمام في قواعد الجيش الأميركي تذهب، بدلاً من ذلك، إلى الإنفاق على الحروب.
كما أن توفير العناصر البشرية في جيش انخفض قوامه من 2,1 مليون في عشر سنوات مضت تقريباً إلى 497000 فقط في الوقت الراهن أصبح أصعب، في الوقت الذي تتزايد الطلبات على خدماته.
في أسبوع شهد تصويت مجلس مدارس سان فرانسيسكو لحظر التدريب من جانب صغار ضباط الاحتياط في المدارس الثانوية ومنع الأشخاص الذين يقومون بتجنيد الطلاب للخدمة في الجيش من دخول مباني المدارس، يبذل الجيش كل ما بوسعه في محاولة إيجاد عدد كاف من المجندين للحفاظ على الجيش المؤلف في مجمله من المتطوعين في وضع يسمح له بالاستمرار في أداء مهماته.
عن طريق تخفيض معايير الكفاءة والقدرة الذهنية، وقبول مجندين تصل أعمارهم إلى 45 عاماً، و دفع مخصصات باهظة لأي شخص يوقع على استمارة التجنيد، واستقبال المزيد ممن تركوا الدراسة الثانوية، ومنح وثيقة تنازل للمجندين الذين لديهم سوابق إجرامية، والذين تغطي الوشمات أجسادهم أو كلا الأمرين، من خلال ذلك فقط باستطاعة الجيش ملء الشواغر التي تركها الجنود الذين يغادرون كل عام.
في هذا العالم المحفوف بالمخاطر، ينبغي على الأميركيين أن يكونوا على استعداد لدفع نفقات الجيش، ويجب أن يكونوا مستعدين لإرسال أبنائهم وبناتهم للخدمة في ذلك الجيش. الدول غير المستعدة للدفاع عن نفسها، والتي تحكمها نخبة غير مستعدة لإرسال أبنائها كي يكونوا جزءاً من ذلك الجيش، تعد دولاً فاشلة.
تقول إدارة بوش إننا دخلنا فيما عرّفته بحرب طويلة ـ أربعين أو خمسين أو ستين عاماً من الصراع مع عناصر متشددة ـ وإن صح ذلك، فقد فات الأوان للقيام بتضحيات في الوطن للتهيئة من أجل خوض القتال والفوز في تلك الحرب.
بإمكان غيتس أن يبدأ مدة خدمته القصيرة باعتباره وزير الدفاع برفع مستوى المراجعة الرباعية الأحدث للدفاع، وهي نظرة البنتاغون على مدى عشرين عاماً إلى المستقبل وما سيتوجب تمويله في ميزانية جيشنا، وتسجيل أولوياته. وعليه أن يتخذ القرارات الصعبة التي تعهد رامسفيلد باتخاذها ولم يفعل ذلك على الإطلاق.
ليس بإمكاننا القيام بالعمل كالمعتاد في البنتاغون. لا نستطيع الاستمرار بتمويل الطائرات ومشتريات السفن للقوة الجوية والبحرية بينما نقوم بتجويع الجيش ورجال قوات البحرية الذين يتحملون وطأة القتال والموت في هذا العالم الجديد الشجاع. إن المجندين على الأرض ليسوا رائعين ـ ورابحين بالنسبة للمتعاقدين ـ كالتقنية العالية التي يعشقها رامسفيلد. ولكن في أماكن مثل العراق، وأفغانستان، فإنه لا بديل لهم.
كتب صديق قديم لي وهو كولونيل (متقاعد) يدعى فهرنباش في تاريخه المهم عن الحرب الكورية أن الدولة التي تريد وضع الأجانب في وضع حرج عليها أن تكون مستعدة لأن تضع أبناءها على الأرض، في الوحل والدم. عليها أيضاً أن تدفع الثمن لجيش أو فيالق بحرية مزودة بعدد كاف من الجنود، وخضعت للتدريب جيداً، وتم إمدادها بالمعدات، ومدعمة بكل ما تحتاجه.
فمن دون ذلك، فإن هذا القرن وهذه الألفية الجديدة التي تم الاحتفال بها باعتبارها ألفية أميركا ستصبح لدولة أخرى، ولن نصبح سوى هامش في التاريخ ـ دولة لا يبلغ عدد أيام مجدها وقوتها سوى قرن أو نحو ذلك.
خدمة لوس أنجلوس تايمز
خاص لـ «البيان»