اعتبرت الأوساط السياسية الروسية أن من أهم أحداث الفترة الراهنة توقيع واشنطن وموسكو على اتفاقية ثنائية تدعم بموجبها الولايات المتحدة انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية، خاصة أن هذه الاتفاقية لا تعني حصول روسيا على عضوية المنظمة العالمية، وإنما هي تعطي الضوء الأخضر لانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية على حد تعبير الصحافة الروسية.
وهو ما عبر عنه نائب وزير الخارجية الروسي اندريه دينيسوف في تصريحاته التي اعتبر فيها أن إمكانية حصول روسيا على العضوية الكاملة في منظمة التجارة العالمية يمكن أن يتم في عام 2007، باعتبار أن الاتفاق المذكور سيعرض أولاً على الكونجرس الأميركي الذي قد يماطل أو يرفض المصادقة على الاتفاقية بعد أن أصبح تحت سيطرة الحزب الديمقراطي.
وكانت وزارة التجارة الأميركية قد أصدرت في بداية هذا العام تقريرا حول معوقات التجارة والاستثمارات، استعرض المشاكل التي تواجه الاستثمارات الأميركية في 62 بلداً. وتضمن التقرير اعتراضات واشنطن على سياسات موسكو الاقتصادية، والتي كانت تعتبر الدافع لتجميد قرار البت في عضوية روسيا للمنظمة الدولية.
حيث شملت انتقادات واشنطن أغلبية مجالات النشاط الاقتصادي في روسيا، بدءاً من قطاع الاتصالات حتى التصدير. كما أشار التقرير إلى أن ملف المناطق الحرة في روسيا، وحق الاستثمارات الأجنبية بالعمل في قطاع البنوك والتأمين، والقيود على استيراد المشروبات الكحولية، الرسوم الجمركية المرتفعة على السيارات والدراجات النارية وقطع غيار المعدات الجوية، تشكل ابرز اتجاهات الاعتراضات الأميركية على النظام الاقتصادي الروسي.
كما أعربت الوزارة في تقريرها عن قلق واشنطن من ازدياد حجم الصادرات الروسية من المعادن، ومن سياسة تسعير الغاز في روسيا. وربطت الإدارة الأميركية دعمها لعضوية روسيا في منظمة التجارة العالمية بتوفير ضمانات لحماية المستثمرين في سوق الاتصالات، إضافة لضمانات بأن الدولة لن تطالبهم بدفع رسوم نظير العمل تحت إشراف الدولة، وتشمل الاعتراضات الأميركية قرارات الحكومة الروسية بتقليص الاستثمار الأجنبي في مجال الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والتلفزيون، إضافة إلى اعتراضات على أداء البنك المركزي وسوق تجارة الأخشاب.
وعلى مدار السنوات الماضية سعت الحكومة الروسية إلى تسوية ترضي الأطراف الغربية، وتم رفع أسعار الغاز في السوق الداخلية، كما قامت بمضاعفة حصص الشركات الأجنبية في قطاعي التأمين والبنوك من 25 %إلى 50 %، بهدف زيادة الاستثمارات الأجنبية في قطاع التأمين الروسي، والتي لم تتجاوز آنذاك 5%، بينما وصلت في قطاع البنوك إلى 9%.
كما تجاوبت مع طلب الأميركيين بخفض الرسوم الجمركية على توريد معدات الطيران إلى روسيا، باعتبار أن 60 % من السوق الروسية للطائرات الجديدة تخضع لسيطرة المنتجين من الاتحاد الأوروبي وأميركا، حيث تعهدت روسيا بموجب الاتفاقية الموقعة مع الولايات المتحدة بتخفيض الرسوم الجمركية على السلع المصنعة بما فيها الطائرات والسيارات،
والمنتجات الزراعية المستوردة بنسبة 3% في المتوسط ، وتسمح باستيراد المنتجات الزراعية الأميركية، خصوصا اللحوم. وتعتقد موسكو أن هذه الرسوم ليست عقبة كأداء في طريق استيراد الطائرات، بينما يمكن أن يلحق تخفيضها ضربة بخطط الحكومة الروسية لتحديث صناعة الطيران الروسية.
وإذا كانت الإجراءات السابقة الذكر قد أسفرت عن قرار أدارة بوش بدعم عضوية روسيا في منظمة التجارة العالمية، فلابد من الأخذ بعين الاعتبار أن موسكو لم تنه بعد مفاوضاتها حول مسألة عضويتها في المنظمة الدولية مع كل من جورجيا ومولدافيا. ومازالت جورجيا تعارض انضمام روسيا إلى المنظمة قبل أن تنفذ كافة التزاماتها تجاه جورجيا بدءاً من حرية تنقل منتجات الشركات الجورجية في ابخازيا وآسيتيا الجنوبية وانتهاء بأزمة حظر بيع النبيذ الجورجى في الأسواق الروسية. ومن المتوقع أن تعرقل قضية أبخازيا انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية.
ويذهب بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن توقيع الرئيس الأميركي على الاتفاق الثنائي الخاص بدعم روسيا في الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، ليس أكثر من مناورة من جانب الإدارة الأميركية، باعتبار أن توقيع الاتفاق قد تم في ظل سيطرة الديمقراطيين على أغلبية مقاعد الكونجرس، ومن المعروف أن الديمقراطيين هم المعارضون لحصول روسيا على عضوية المنظمة العالمية.
بالإضافة إلى أن توقيع الاتفاق يتم في ظل تأكيدات من جورجيا بأنها تعارض انضمام روسيا للمنظمة الدولية، في نفس الوقت الذي يصادق الكونجرس على أكثر من عشرة ملايين دولار كمنحة لدعم جورجيا لضمها إلى حلف الناتو، ويعلن المسؤولون الأميركيون أن شركة(غاز بروم) الروسية تمارس سياسة ظالمة تجاه جورجيا تستهدف السيطرة على شبكات توزيع الغاز في هذا البلد، عبر زيادة أسعار الغاز الروسي الذي يتم توريده لجورجيا.
ومن أجل ضمان صمود النظام الصديق لا تعارض واشنطن أن تشتري تبليسي الغاز من إيران غير الصديقة. ونصح «ماتيو برايزا» مساعد وزيرة الخارجية الأميركية، القيادة الجورجية بعدم بيع خطوط أنابيب الغاز الجورجية إلى شركة الغاز الروسية مؤكدا أن واشنطن بصدد إيجاد مصادر الغاز لجورجيا خارج روسيا. ويفترض أن تحصل تبليسي على كميات من الغاز من أذربيجان عبر خط أنابيب يخطط لإكمال بنائه في ديسمبر 2006 وأيضا من تركيا.
وبجانب الاعتراضات الجورجية، لا يمكن استبعاد اعتراضات أوكرانية على انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية، في حال حصول حكومة كييف على عضوية المنظمة الدولية قبل روسيا. لتصبح ورقة ضغط جديدة تدفع موسكو للقبول بشروط جديدة حتى تحصل روسيا على عضوية منظمة التجارة العالمية.
وكان رئيس الحكومة الأوكرانية قد أعلن أن بلاده ستحصل على عضوية المنظمة في نهاية العام الحالي. وباستثناء التزام حكومة كييف بتخفيض الرسوم الجمركية سنويا بمعدل 1%، لم يتم الإعلان عن الشروط الأميركية الأخرى التي تضمنتها اتفاقية مساندة انضمام أوكرانيا إلى منظمة التجارة العالمية، وأحيطت بسرية كاملة، وهو ما دفع العديد من الخبراء الاقتصاديين للاعتقاد بأن أوكرانيا وافقت على السماح للبنوك الأجنبية وشركات التأمين بالعمل في السوق الأوكراني، باعتبار أن هذا الشرط من المطالب السياسية للغرب من جهة، ولآن انضمام أوكرانيا إلى المنظمة الدولية سيسهل تسويق المعادن والمواد الكيميائية التي تنتجها من جهة أخرى.
ويمكن أن تستخدم أوكرانيا حقها - بعد حصولها على العضوية-في فرملة انضمام روسيا كورقة ضغط ومساومة تدعم مصالحها في حرب الغاز بين البلدين، ومن غير المستبعد أن تساعد العضوية القادمة الحكومة الأوكرانية على فتح أسواق المعادن والمنتجات الزراعية الروسية أمام الشركات الأوكرانية.
وقد أعلن أحد كبار مسؤولي الحكومة أن روسيا ستتضرر من المماطلات وتأخير قبول عضويتها في هذه المنظمة، إذ توقفت بسبب تأخير الانضمام إلى المنظمة الإصلاحات في عدة فروع. إذ يقل حجم الواردات المحتمل إلى روسيا بدون منظمة التجارة العالمية بمقدار الثلث.
كاتبة روسية
