في آخر زيارة له إلى واشنطن قبل غزو العراق حمل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارييل شارون ملفاً حول إيران ومفاعلاتها النووية وكان يستعد وأعضاء وفده لتحويل الملف النووي الإيراني إلى الموضوع الرئيسي في المحادثات، لكن الأجندة الأميركية كانت مختلفة وطلب الأميركيون من الإسرائيليين تخفيض صوتهم حول إيران ورفعه نحو العراق، إذ أن السياسة الأميركية كانت تعد العدة لغزو العراق وإيجاد المبررات واختلاق الذرائع حول صلة صدام حسين بالقاعدة التي طورها العراق.
كان وجهة نظر الأميركيين أن احتلال العراق من شأنه لجم التطلعات الإيرانية نحو امتلاك التكنولوجيا النووية وأن الوجود الأميركي على حدود إيران سيخيفها ويجعلها كالحمل الوديع بعد إسقاط النظام العراقي ونشر القوات الأميركية على الحدود مع إيران. وهكذا عاد شارون من واشنطن من زيارته قبل غزو العراق وأمر وزراءه ومستشاريه بعدم الحديث عن التهديد النووي الإيراني وهذا ما حدث فعلاً.
اجتياح العراق لم يخف إيران فعلاً بل أعطاها ورقة إضافية بخلق نفوذ لها في العراق وصارت إيران تضغط بنفوذها ذاك على واشنطن وليس العكس ولهذا فإن إعادة وضع الملف النووي الإيراني على رأس الأولويات في واشنطن وتل أبيب جاء بعد فشل المخطط الأميركي في العراق، ويبدو أن إسرائيل مصممة على معالجة الوضع وحدها إذا فشلت الجهود الأميركية في وقف المشروع النووي الإيراني.
فقد أضاف الإسرائيليون وزيراً جديداً إلى حكومتهم وكلفوه بوزارة التهديدات الاستراتيجية وهو افيغدور ليبرمان وكان ليبرمان قبل أن يؤسس حزب «إسرائيل بيتنا» مديراً لمكتب بيبي نتانياهو وهو أسس الحزب الناطق بالروسية لاستقطاب المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق وقد اشتهر ليبرمان بآرائه العنصرية وإيمانه بالتطهير العرقي، حيث دعا إلى ضم العرب في منطقة المثلث إلى الضفة مقابل إخلاء مستوطنات،
وهو دعا أكثر من مرة إلى قصف السد العالي في مصر وإلى تدمير طهران، وعندما يأتي ايهود أولمرت بوزير كهذا إلى حكومته فإنه يشير إلى انه يسير باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم اليسار والوسط واليمين، حيث إن إسرائيل عمدت دوماً إلى تشكيل حكومة وحدة قبل شنها حرب عام 1956 وحرب عام 1967،
ما يعني أن إسرائيل قررت أن تعالج الموضوع الإيراني بنفسها، وثمة آخرون في حكومة أولمرت كلفوا بالموضوع الإيراني منهم وزير الجيش عمير بيريتس ووزير الجيش السابق وزير المواصلات الحالي شاؤول موفاز الذي يتولى ملف الحوار الاستراتيجي مع واشنطن ويدير اتصالات سرية بعيداً عن الأضواء،
كما أضيف إلى طاقم الملف الإيراني نائب وزير الجيش السابق افرايم سنيه بينما تتولى وزيرة الخارجية تسيبي ليفني المهمة الدبلوماسية دولياً. لكن هذا الجيش من الوزراء المكلفين بالملف الإيراني تم ضبطه من قبل أولمرت حتى لا تتضارب تصريحاتهم في هذا الشأن، واكتفى الإسرائيليون بتصريح تهديدي واحد لإيران أطلقه أولمرت في موسكو أم المشروع النووي الإيراني وهو «على الإيرانيين أن يخافوا من أن يحصل شيء لا يريدونه والجميع يعرف بأن ليس لإسرائيل مجال للخطأ في هذا الموضوع»،
هذه العبارة فيها تهديد نووي إسرائيلي لطهران لا يقبل التشكيك، وإسرائيل لا تستطيع التراجع عنه لأنها بذلك كما يقول محللوها ستفقد غموضها النووي في حالة عدم تنفيذه وتكون عرضة لتهديدات بأسلحة تقليدية.
المثير في خضم هذه الأزمة أن الأضواء سلطت على بعض المساعي العربية لامتلاك طاقة نووية بهدف تحلية مياه البحر. فصحيفة التايمز البريطانية أشارت الأسبوع الماضي إلى أن عدة دول عربية أبدت اهتماماً بإنشاء مفاعلات نووية للحصول على طاقة من بينها مصر والمغرب والجزائر والسعودية،
ومع أن هذه الدول أشعرت الوكالة الدولية للطاقة النووية برغبتها تلك، وطلبت تنسيقاً ووضع برامج مع الوكالة إلا أن بعض المحللين الإسرائيليين بدأوا يروجون بأن هذه الدول تحاول السعي إلى امتلاك تكنولوجيا نووية بهدف التمكن لاحقاً من صنع قنابل نووية. وشكك محلل في معهد الدراسات الاستراتيجية الأميركية في نوايا المملكة السعودية قائلاً «إنها تملك مخزوناً من الطاقة ولا حاجة لها بالطاقة النووية».
إذاً هل تشهد المنطقة سباقاً نحو التسلح النووي أو للدقة نحو امتلاك التكنولوجيا النووية؟ الجواب: نعم، فمن حق الدول العربية امتلاك التكنولوجيا النووية مثلها مثل بقية العشرات من الدول في العالم، فطالما أن هناك دولتين في المنطقة إحداهما تملك سلاحاً نووياً هي إسرائيل والأخرى تمتلك التكنولوجيا النووية وهي إيران فمن الطبيعي والمشروع أن تحاول دول كبرى مثل السعودية ومصر اللحاق بالركب،
ذلك أن الدول العربية باتت بين فكي كماشة نووية من الوسط والشرق وعليها في خضم هذه الكماشة، وفي سياق البحث الدولي المحموم عن بديل للطاقة النفطية أن تحاول امتلاك النووية وهي تملك المال والنفوذ، لذلك وليس بعد احتراق النفط وتطور التهديدات الخارجية النووية. إذا لا يكفي العرب أن يحصل محمد البرادعي على جائزة نوبل، بل أن يحصلوا على طاقة نووية.
رئيس تحرير « الحياة الجديدة » فلسطين