زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم فتحت الباب لفصل جديد من فصول قضية العراق، حيث أتت الزيارة تمهيداً لمحور جيد في طور التشكيل هو محور إيران ـ سوريا ـ العراق، وهذا المحور في الواقع تشكل بفعل متغيرين:
الأول: توصيات لجنة بيكر التي جاءت لتقديم حلول لتفاقم الأوضاع في العراق وإخراج القوات الأميركية من موقفها الحرج الذي تمر فيه بفعل سياسات الإدارة الأميركية التي أثبتت فشلها في العراق ولم تؤد إلا إلى تفاقم الأوضاع وإدخال الولايات المتحدة في نفق مظلم تبدو حجم الخسائر فيه أكبر من حجم الأرباح مما يزيد من حجم الضغوط التي تتعرض لها إدارة بوش.
الثاني: رغبة إيرانية سورية مشتركة وربما الغلبة لإيران بصورة أكبر لاستغلال الوضع الحرج الذي تمر فيه الإدارة الأميركية في إيجاد حلول سريعة للأزمة في العراق باتجاه إعادة ترتيب وضع يخرج إيران من الضغوط الدولية التي تتعرض لها بخصوص ملفها النووي، ومن جهة أخرى إخراج سوريا من جهتها من عزلتها الدولية.
هذا المحور المزمع تشكيله لحل المنعطفات الخطرة التي وصل إليها الوضع في العراق هو عبارة عن محور حرج سواء في دوافع أطرافه أو في قدرتهم على أداء دور فاعل لحل الوضع في العراق أو في البيئة الدولية والإقليمية المحيطة به.
فمن ناحية إيران الطرف الأقوى والأكثر محورية في هذا المحور فان دوافعها نحو هذا المحور تتركز في الرغبة الدفينة في إخراج القوات الأميركية من جوارها أي من العراق، حيث ان وجود هذه القوات هو الهدف الذي تصوب إيران نحوه سراً وعلناً منذ عام 2003 أي منذ احتلال العراق،
فإيران تريد ان تقدم للولايات المتحدة الطريقة الأمثل التي تخرجها من العراق حافظة لماء الوجه، ولكن بصورة غير معلنة لكي تخفي حقيقة نفوذها في العراق الذي يجعلها مؤهلة بعد خروج القوات الأميركية لتولي زمام الأمور في العراق وتغييره ديمغرافياً وجغرافياً لصالح النفوذ الإيراني. هذه الغايات يجب ان تمر أولاً بعملية إنهاء الوجود الأميركي، أو على الأقل الحد من حركته ووجوده إلى أدنى مستوى ممكن.
مع الإبقاء على التشكيلة السياسية العراقية على الفوضى التي هي عليها اليوم. ومن جهة أخرى فان إيران تبغي من خلال هذا المحور الظهور بدور جديد لم يكن مسبوقاً خلال السنوات الثلاث السابقة إلا وهو دور الفاعل الذي يملك مفاتيح الحل لواحدة من أعقد القضايا في المنطقة وبالتالي فان نجاحها في تحقيق أي نتائج على الأرض سوف يغير من موقف المجتمع الدولي المحتقن على أعقاب البرنامج النووي الإيراني وخاصة الضغوط الدولية لفرض عقوبات على إيران.
أما من ناحية سوريا فان هدف سوريا هو الخروج من عزلتها الدولية ـ كما ذكرنا ـ حيث ان هناك اتصالات سابقة بين سوريا والولايات المتحدة قادها وزير الخارجية الأميركية الأسبق جيمس بيكر، ومن جهة أخرى الحكومة البريطانية. لذلك فان زيارة وليد المعلم إلى بغداد وإعادة العلاقات مع الحكومة العراقية بعد أكثر من ربع قرن من القطيعة، لم تكن صدفة بقدر ما هي الضوء الأخضر الذي أضاءته لجنة بيكر وتوصيتها بفتح حوار مع سوريا وإيران.
سوريا أيضاً تحاول الخروج من موقفها الحرج من خلال التباحث حول سبل وقف العنف في العراق الذي بدوره سيمهد إلى تقديم سوريا كفاعل، وهو تغير مهم سيغير موقف سوريا وربما سيخفف من الضغوط الدولية حول التحقيق في مقتل الرئيس اللبناني رفيق الحريري.
أما بالنسبة للعراق فان موقفه أكثر حراجة من طرفي المحور السابقين. فدائرة العنف تتسع لتطال الواقع المدني والسياسي. والقوات الأميركية تبدو فاقدة للسيطرة. العراق وافق على الدخول في مشاورات مع سوريا وإيران ليس بحكم إرادته بل بفعل الضوء الأخضر الذي أعطته الحكومة الأميركية. حراجة موقف العراق تجعل وجوده في محور إيران العراق سوريا، إنما هو موقف المنفذ وليس المخطط، أو الواقع عليه فعل أصحاب المخططات والنوايا وليس صاحب المبادرة.
وهذا الموقف سوف يضع العراق في موقف حرج على المدى القريب والبعيد وربما سيزيد من تأزم الوضع في العراق وسيصل به إلى مديات لا عودة منها. وهو موقف يشبه إلى حد كبير موقف تشيكوسلوفاكيا إبان الحرب العالمية الثانية، حيث ان دخولها في محور ألمانيا وايطاليا ضمن ترتيبات الحرب أدى إلى فرض النفوذ الألماني عليها ومن ثم تقسيمها إلى قسمين التشيك ضمت إلى ألمانيا بموجب اتفاقية ميونيخ ـ سلوفاكيا التي تحكمها حكومة موالية لألمانيا.
العراق ربما يحمل مدخلات مختلفة ولكن الحقائق التاريخية واحدة الدولة التي لا تمتلك إرادتها السياسية وتدخل في محاور مع قوى إقليمية طامحة وذات أطماع لابد ان تمزقها الطموحات والمخططات.
أما الولايات المتحدة التي تؤدي دور المحفز لهذا المحور فان موقفها لا يقل حراجة عن موقف أطراف الحل الأخرى، فالقوات الأميركية تتلقى الضربات من كل الأطراف وبصورة أكثر نوعية من السابق، ومن جهة أخرى فان العمليات النوعية التي كانت تقوم بها تحولت من عمليات فرض السيطرة على المناطق العراقية إلى عمليات لحماية قواتها. إضافة إلى الضغوطات التي يتعرض لها الجمهوريون لتغيير سياسات تعتبر من الثوابت لدى إدارة بوش مثل الحوار مع قوى سبق ان أطلق عليها بالمارقة مثل سوريا وإيران.
عموما فان محور (إيران والعراق وسوريا) سوف يشكل متغيراً خطيراً في أرض الشرق الأوسط التي لا تنفك أراضيها عن التحرك وعن التحول والتطور في منحنيات ونتائج لا تحسم لصالح العرب. والعراق يتصدر الدول الشرق أوسطية في خطورة التحولات التي تواجهه والتي من شأنها ان تغير هويته وهوية المنطقة.
كاتبة عراقية