بينما ترسم الصحف البريطانية والأميركية صورة قاتمة لمستقبل الحرب الأنجلو الأميركية في العراق وأفغانستان مع تصاعد المقاومة ضد قوات الاحتلال في البلدين وتضاؤل فرص المحتلين في تحقيق أي نصر، استأثر الموقف في العراق باهتمام سياسي وإعلامي مضاعف خصوصاً بعد مطالبة رئيس الأركان البريطاني الحكومة بسحب القوات البريطانية من العراق «قبل وقوع كارثة». خصوصاً مع تساقط الجنود البريطانيين وتدهور الموقف الأمني في «البصرة».
ومع الهزيمة السياسية الكبرى لرئيس الوزراء البريطاني «طوني بلير» في أوساط حزبه المعارض لسياسته التابعة للسياسة الأميركية، بتوريطه للقوات البريطانية بالاندفاع لحرب عدوانية ضد العراق بمبررات ثبت للجميع أنها كاذبة، وبأدلة سمع عنها الجميع وثبت في النهاية أنها زائفة، والأكثر إيلاما للرأي العام البريطاني مبدأ واضح للجميع أنها مغامرة دموية فاشلة راح ضحيتها عشرات الجنود البريطانيين من القتلى والمصابين.
فضلا عن رفض الرأي العام البريطاني الغاضب عموما وأعضاء ونواب حزب العمال البريطاني خصوصا بسبب تواطئه مع حليفه الأميركي لإطالة أمد الحرب العدوانية الصهيونية ضد لبنان عن طريق منع صدور قرار من مجلس الأمن بوقف العدوان، ذلك السلوك المجافي لكل معنى إنساني،
الأمر الذي أجبره على إعلان موعد تنحيه عن رئاسة الحكومة بما يشبه الإقالة، ومع زيادة الصورة قتامة بعد التصريح الأخير لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير والذي يعترف فيه بأن الحرب في العراق «وصلت إلى حد الكارثة»، ومطالبته حليفه الأميركي في تلك الحرب الخاسرة بطرق أبواب «دمشق» و«طهران» لإنقاذ و«اشنطن» و«لندن» من الغرق في هذا المستنقع الدامي،
فلقد ضاعفت الهزيمة التي واجهها الرئيس الأميركي بوش وأركان إدارته الجمهورية من المحافظين الجدد من الضغوط السياسية والإعلامية والشعبية الرافضة لاستمرار الاحتلال الأميركي للعراق وضرورة الإسراع في التوصل لصيغة تمكن القوات الأميركية الموروطة هناك بالخروج من هذه الورطة الدامية وتأمين الانسحاب العسكري بأسرع وقت قبل الطوفان بأقل قدر من إراقة الدماء الأميركية ومن إراقة ماء الوجه.
وربما بدا عمق المأزق العسكري والسياسي الأميركي في العراق في الشهر الماضي الذي وصل عدد القتلى الأميركيين فيه إلى أعلى معدل له في شهر واحد خلال السنوات الثلاث الماضية على يد المقاومة الوطنية العراقية، حيث بلغ العدد 107 قتلى مما ألقى بظلال داكنة على أداء الإدارة أميركية ودلل على فشلها أمام الرأي العام الأميركي، مما دفع الناخب الأميركي لسحب الثقة من بوش وإدارته وحزبه في الانتخابات النصفية،
الأمر الذي لم يمكن الرئيس الأميركي من الاستمرار فيما درج عليه من ترويج زائف لأوهام النصر، فاضطر إلى التخلي عن المكابرة، معترفا بارتفاع معدل الخسائر الأميركية، وتصاعد المقاومة العراقية، ملقيا بمسؤولية معالجة التدهور الأمني على الحكومة العراقية ومشبها الوضع الذي يواجهه في العراق بما واجهته القوات الأميركية من هزيمة في فيتنام.
هذا الذي جرى ولا يزال يجرى لقوات الاحتلال الأنجلو أميركي في العراق بصورة فاقت أكثر الكوابيس هولاً، لم يتوقعه لا بوش ولا بلير، بل لم يتخيله أي منهما، وهما اللذان كانا يخدعان الشعب الأميركي والبريطاني بالقول إن الشعب العراقي سيخرج لاستقبال القوات الغازية بالورود، فإذا الذي خرج بالورود هم الأسر الثكلى للضحايا من الجنود الأميركان والإنجليز لوضعها على نعوش وقبور أبنائهم.
أما الشعب العراقي العظيم فمازال منذ الاحتلال وحتى اليوم يواجه الهول العظيم، والدمار العظيم، حتى بلغ عدد الشهداء من أبنائه من الرجال والشيوخ والنساء والأطفال من ضحايا العدوان الأنجلو أميركي ما يقارب المليون شهيد عدا مثلهم من المصابين والمعاقين، ودفع العراق ولا يزال يدفع كل يوم من دم الأبرياء من أبنائه على يد الإرهابيين الذين تدفعهم الأيدي الشريرة لمحاولة إشعال الحرب الأهلية بين الأعراق والطوائف والمذاهب ما يفوق أي طاقة إنسانية على احتماله.
إن الصورة المأساوية التي جرها الاحتلال الإرهابي على العراق، والتي باتت تهدد أمن واستقرار دول المنطقة كلها وتعرضها للخطر،والفشل العسكري والسياسي الذي أصبح مصير العدوان المحتوم، قد دفع شركاء الحلف العدواني إلى سحب قواته من العراق، وبقيت أميركا وحدها تقريبا مع تلويح بريطانيا بالانسحاب، كما دفع حلفاء أو أصدقاء أميركا في المنطقة إلى الانتقاد المرير لأخطاء السياسة الأميركية بما وضعها في عزلة خانقة.
وقد ارتفعت الأصوات بالمعارضة والتحذيرات لكل من بوش وبلير بضرورة البحث عن مخرج للورطة العراقية في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية، ليس في أميركا بريطانيا فقط ولكن على امتداد العالم كله، ويكفى العزلة التي عانى منها الرئيس الأميركي المهزوم في بلاده وهو يزور فيتنام التي هزمت جيش بلاده لحضور القمة الآسيوية، ويكفي المظاهرات الشعبية الإندونيسية التي واجهته في جاكارتا رافعة شعارات تنادى بطرده أو القبض عليه ومحاكمته.
وبعد سلسلة الهزائم المتتالية، سواء الانتخابية والتي كانت العراق فيها هي السبب الأول، أو العسكرية والتي أطاحت بوزير الحرب «دونالد رامسفيلد» والتي كانت المقاومة العراقية فيها هي الفاعل الأول، أو السياسية بتراجع المشروع الأميركي الصهيوني في الشرق العربي الإسلامي والتي كانت المقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية هي حائط الصد الأول، لم يكن أمام بوش إلا التراجع.
لقد أصبحت إمكانية تحقيق النصر في كل من العراق أوأفغانستان أو فلسطين أو لبنان أو حتى في السودان «مهمة مستحيلة»على حد وصف صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، بل «غير قابلة للنجاح» على حد وصف السياسي الأميركي المخضرم «هنري كيسنجر» وبعد أن بدا واضحا أن فشل المشروع الأميركي في المنطقة بات حتميا، لم يكن أمام الرئيس الأميركي سوى اللجوء للسياسي الأميركي المحنك «جيمس بيكر» لسماع توصياته بشأن كيفية الانسحاب من العراق،
كما لم يكن أمام بوش المأزوم سوى الإصغاء لنصيحة حليفه بلير المأزوم بعد أن منعته المكابرة في السابق عن الإصغاء إليها وهى بلا شك تعكس خبرة استعمارية بريطانية قديمة بشؤون الشرق، من ترابط للقضايا، وتشابك في الخيوط، واتحاد للملفات،
وخلصت النصيحة إلى أن المدخل الرئيسي للتعامل مع جميع قضايا المنطقة للخروج من المأزق الأميركي في العالم العربي لا يمكن أن يتحقق إلا بتحرك في اتجاه حل القضية الفلسطينية، وأن الخروج من المأزق العسكري العراقي لن يتحقق إلا من خلال البوابات السياسية السورية والإيرانية، وهي النصيحة التي ترددت بقوة في الأوساط السياسية والإعلامية في واشنطن ولندن.
وهكذا دفعت الورطة الأميركية والبريطانية على يد المقاومة العراقية، والهزيمة الإسرائيلية على يد المقاومة اللبنانية والفلسطينية، كلا من الحليفين في تحول دراماتيكي لإمبراطورية أميركية بدأ غروب شمسها عن الشرق منسحبة نحو الغرب، وإمبراطورية بريطانية غربت من قبل شمسها عن الشرق وعن الغرب، إلى أن يطرقا أبواب «دمشق» و«طهران».
وبدا التحول مثيرا للانتباه والغرابة معا لكل المراقبين.. ألم تكن أميركا وبريطانيا تخططان بعدوانهما لأن تكون العراق هي بوابة الدخول لغزو سوريا وإيران أضلاع «محور الشر»، فإذا مقاومة العراق ترغمهما على الاقتناع بأن سوريا وإيران هما بوابات الخروج من العراق.. ليصرح بوش قائلاً: «إننا نحترمك يا إيران بتاريخك العظيم» و«سوريا وطن لشعب عظيم».
وليلتقي «بيكر» ب«المعلم «في نيويورك، وليحمل مستشار بلير إلى الرئيس الأسد رسالة السلام في دمشق. إنها العراق يا... عزيزي التي أعطت درسا لكل المغامرين القادمين من الغرب إلى الشرق هو «أن القوة العسكرية مهما بلغ جبروتها لن يكون بمقدورها لا إخضاع الشعوب ولا هزيمة المقاومة ولا حل الأزمات،وحده الحوار السياسي القائم على احترام الحقوق المشروعة للشعوب هو الطريق للسلامة وللسلام.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com