«أبو مازن ضعيف لكنه معتدل» هذا أحدث تقييم إسرائيلي رسمي لشخصية رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس كما ورد على لسان وزيرة الخارجية تسيبي ليفني. ورغم أن هذا الحكم مقتضب وربما أيضا غامض إلا أنه ليس من العسير حل شفرة ليفني. وكبداية فإن أولى محاولات حل الشفرة تقتضي قراءتها بالمقلوب كما يلي: «أبو مازن معتدل لكنه ضعيف».

المحاولة التالية تتطلب طرح سؤال: ما معنى «الاعتدال» الفلسطيني من منظور إسرائيل؟ إنه يعني ببساطة أن يتخذ الفلسطيني موقفا سالباً تجاه الحالة الاحتلالية تاركا الإسرائيليين يواصلون عملية خلق وقائع تلو وقائع على الأراضي الفلسطينية ـ كتوسيع الاستيطان واستكمال بناء الجدار الفاصل ـ دون أن يتجاوز رد فعله حدود بيانات إعلامية «غاضبة».

ولكن بما أن هناك فلسطينيين على استعداد لممارسة المقاومة بكل أشكالها بما في ذلك الأسلوب المسلح فإن المطلوب إسرائيليا أيضا من زعيم فلسطيني «معتدل» هو ألا يكتفي بتلاوة بيانات وإصدار تصريحات إعلامية من حين لآخر. عليه كذلك أن يقمع المقاومة حتى يبدو المشهد الفلسطيني حربا أهلية في نظر العالم لا علاقة لإسرائيل بها.

فبالرغم من أن الفيتو الأميركي يظل على الدوام في خدمة إسرائيل لمنع صدور إدانة دولية ضدها في أي وقت فإن الدولة اليهودية تحرص على تحسين صورتها لدى الرأي العام العالمي قدر الإمكان.

مشكلة إسرائيل إذن هي أن إرادة أبو مازن ليست في مستوى اعتداله. إنه لا مانع لديه من حيث المبدأ في تدجين فصائل المقاومة متخذا موقعا إلى جانب إسرائيل في خندق واحد. فقد سبق أن أعلن رسميا أن المرتكز الأساسي لسياسته هو «إزالة عسكرة الانتفاضة» وتجريد الفصائل من السلاح. لكنه متردد ـ لأنه ليس واثقا تماما من أن بوسع القوات الأمنية التابعة للسلطة الصمود أمام مقاتلي فصائل المقاومة.

هذا يقودنا إلى جزء آخر من شفرة ليفني التي كانت تتحدث إلى ندوة في «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» في لندن. فقد تحدثت الوزيرة الإسرائيلية (باقتضاب) عن «تقوية يد عباس».

ولكي نفهم مغزى هذا القول علينا أن نستذكر ما تواتر مؤخرا من تقارير إعلامية غربية بشأن شحنات أسلحة أميركية إلى السلطة الفلسطينية لكي يكون فصيل «فتح» في موقف أقوى للدخول في اشتباك مسلح مع «حماس», كما ذكرت هذه التقارير أن السلطات الإسرائيلية بصدد الموافقة على طلب من الرئيس أبو مازن للسماح لقوة عسكرية تابعة لفتح وتقيم على الأراضي الأردنية بالعبور إلى الأراضي المحتلة.

وهذه القوة تتكون من 1500 مقاتل. الصورة واضحة: إسرائيل بحاجة إلى مهلة هدوء إلى أن تتمكن من استكمال بناء الجدار الفاصل وبناء المزيد من التجمعات الاستيطانية بما يمكنها من ضم أكثر من نصف أراضي الضفة إلى السيادة الإسرائيلية نهائيا.

الزعيم «المعتدل» إذن مطلوب لتوفير هدوء إسرائيلي عن طريق استنفاد القوة القتالية لفصائل المقاومة في اشتباكات مسلحة داخلية، هذه هي شفرة ليفني.