قلوبنا تدمي ونحن نشاهد دماء أشقائنا في أرض الرافدين تنزف ولا تجف. منذ أن دارت آلة الحرب على العراق وأبناء هذا البلد العربي الغالي مهد أرقى وأقدم الحضارات الإنسانية التي ملأ شعاعها الدنيا، يعيشون فصولاً دامية من القتل تبدو بلا نهاية، ونسأل في أسى وحزن وحسرة وألم، هل هذا البلد المليء بخيرات لا تنضب أولها البشر وآخرها الماء والنفط الذي تكتنزه الأرض، كتب عليه الشقاء وصار أبناؤه هدفاً لأياد تقتل فلا تفرق بين صغير وكبير أو بين أم وطفل؟

حمامات الدم.. في كل مكان على أرض الرافدين. وقبل أن يلملم العراقيون أشلاء جثث ذويهم الضحايا المتناثرة في مكان ما كما حدث في مدينة الصدر أول من أمس، ينتقل شياطين الفتنة إلى موقع آخر ليمارسوا القتل، وهو ما رأيناه أمس في مدينة تلعفر شمال بغداد.

أول من أمس، حصد الموت من خلال ست سيارات ملغومة قرابة 500 قتيل وجريح في شوارع وبسوق مزدحم بحي مدينة الصدر، نصفهم تقريباً لفظوا أنفاسهم الأخيرة سواء فور وقوع الانفجارات أو على أسرة المستشفيات. وكان أقرباء الضحايا عاجزين بعد أن خمدت نيران المتفجرات عن التعرف على جثث ذويهم التي تناثرت أشلاؤها على الأرض.

هذه التفجيرات القاتلة وصفت بأنها واحدة من أشد الهجمات تدميراً منذ الغزو الأميركي لأرض الرافدين قبل أربعة أعوام تقريباً. وأمس، وقع انفجاران انتحاريان في تلعفر التي تبعد نحو 420 كيلومتراً شمال غربي العاصمة العراقية، والضحايا 67 قتيلاً وجريحاً.

وقال مصدر بالشرطة العراقية إن أحد الانتحاريين كان يقود سيارة مفخخة والآخر يرتدي حزاماً ناسفاً. وإلى جانب مسلسل السيارات الملغومة، استهدفت قذائف الهاون أمس هيئة علماء المسلمين، أبرز الهيئات الدينية للعرب السنة، وذلك في مسجد أم القرى غرب بغداد فور انتهاء صلاة الجمعة.

في ظل هذه المأساة الدامية، لم يعد التساؤل هو متى يتوقف مسلسل القتل العشوائي الجنوني ؟، بل ما هو العدد المرتقب من القتلى في التفجير القادم؟ ان المشهد العراقي يدعو إلى التشاؤم، فما نراه لا يبشر ولو بالأمل في أن نتفاءل بالغد. شبح الموت في كل مكان يسبقه شبح فتنة طائفية، ولا أحد يدري ماذا سيحدث للعراق إذا تحول هذا الشبح المخيف إلى واقع يطارد كل الطوائف.

ولم يبالغ مراسل صحيفة الغارديان البريطانية جونثان ستيل، عندما قال في تحليله أمس، ان العراق أصبح كارثة وليس بين يدي من هم خارجه سوى التفرج على المشاهد المروعة!

هذه هي الحقيقة المؤلمة. ولذلك فأشقاؤنا العراقيون هم وحدهم الذين بإمكانهم أن يقضوا على شبح الفتنة الطائفية ويمنعوا نشوب حرب أهلية بين بني الوطن الواحد لن تحمد عواقبها، بل ربما تكون أشد فتكاً بالعراق من تلك التي عانى منها أشقاؤنا في لبنان خلال السبعينات والثمانينات.

نعم.. تجاوز المأساة الدامية بأيدي أشقائنا في أرض الرافدين. وهذا ما يلمسه قادة العراق. فقد وجه زعماء يمثلون جميع الطوائف الرئيسية في العراق نداءً عبر التلفزيون من أجل التحلي بضبط النفس، مؤكدين أن سفك دماء الأبرياء على أيادي التآمر السوداء يتطلب التحلي بالحكمة والامتناع عن الانفعال والاندفاع العاطفي.

والزعيمان العراقيان عبدالعزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وطارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي، أعلنا عن عزمهما إعادة النظر بالخطط الأمنية واعتماد وسائل جديدة تضمن حياة الناس وتحفظ أرواحهم ومصالحهم، مؤكدين أهمية تدارك الخلل في إدارة الملف الأمني ورؤية جديدة في هذا المجال.

العراق يحتاج إلى سواعد أبنائه ليحافظوا على وحدة أراضيه وتماسكه وسيادته، لا أن يتصارعوا ويتناحروا. العراق بأبنائه يقوى ويزدهر. وبالتأكيد عندما يخرج من أرضه الغرباء ستسهل مهمة ضمد الجراح وبناء وطن مستقر وآمن.